الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٣٠ - عشق غلام الحسن بن سهل و تغزل فيه فوهبه له
و كيف كان ابتداؤه، فقلت له: إني أشتهي أن أسمعه منك. فقال لي: دخلت على الحسن بن سهل في فصل الخريف و قد جاء و سميّ من المطر فرشّ رشّا حسنا، و اليوم في أحسن منظر و أطيبه، و هو جالس على سرير آبنوس و عليه قبّة فوقها طارمة [١] ديباج أصفر و هو يشرف على بستان في داره، و بين/ يديه و صائف يتردّدن في خدمته و على رأسه غلام كالدّينار؛ فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، و نظر إليّ كالمستنطق؛ فأنشأت أقول:
أ لست ترى ديمة تهطل
و هذا صباحك مستقبل
فقال: بلى. فقلت:
و تلك المدام [٢] و قد شاقنا
برؤيته الشادن الأكحل
فقال: صدقت فمه؛ فقلت:
فعاد به و بنا سكرة [٣]
تهوّن مكروه ما نسأل [٤]
فسكت. فقلت:
فإني رأيت له نظرة
تخبّرني أنه يفعل
/ ثم قال: مه؛ فقلت:
و قد أشكل العيش في يومنا
فيا حبّذا عيشنا المشكل
فقال: العيش مشكل، فما ترى؟ فقلت: مبادرة القصف و تقريب الإلف. قال: على أن تقيم معنا و تبيت عندنا. فقلت له: لك الوفاء و عليك مثله لي من الشرط. قال: و ما هو؟ قلت: يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني. فضحك ثم قال: ذلك لك على ما فيه. و دعا بالطعام فأكلنا و بالشراب فشربنا أقداحا. و لم أر الغلام، فسألت عنه فقال لي: الساعة يجيء، فلم نلبث أن وافاني؛ فسألته أين كان؟ فقال: كنت في الحمّام و هو الذي حبسني عنك. فقلت لوقتي:
/
وا بأبي أبيض في صفرة
كأنه تبر على فضّة
جرّده الحمّام عن درّة
تلوح فيها عكن بضّه
غصن تبدّى يتثنّى على
مأكمة [٥] مثقلة النّهضه
كأنما الرّشّ على خدّه
طلّ على تفّاحة غضّه
صفاته فاتنة كلّها
فبعضه يذكرني بعضه
يا ليتني زوّدني قبلة
أو لا فمن وجنته عضّه
[١] الطارمة في الأصل: بيت من خشب كالقبة، و هو دخيل أعجميّ معرّب. و المراد به هنا ستر رقيق من الديباج مظلل به الكرسي.
[٢] رواية هذا البيت في «تجريد الأغاني»:
و هذي العقار و قد راعنا
بطلعته الشادن الأكحل
[٣] كذا في ح و «تجريد الأغاني». و في سائر الأصول: «سكره» بالهاء المهملة.
[٤] في «تجريد الأغاني»: «مكروه ما يبزل». و لعل صوابه: «ما يبذل» بالذال.
[٥] المأكمة: العجيزة.