الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٦٣ - نسبة هذا الصوت
يحسبونه نائما، فرفع رأسه إلى الوليد فقال له: و أنا جامع لذّات أمّك؛ فغضب الوليد و همّ به؛ فقال له عمر الوادي:
جعلني اللّه فداك! ما يعقل أبو رقيّة و هو صاح، فكيف يعقل و هو سكران! فأمسك عنه.
سمع غناء من راع أخذه عنه و مدحه
: قال إسحاق: و حدّثت عن عمر الوادي قال: بينا أنا أسير ليلة بين العرج [١] و السّقيا سمعت إنسانا يغنّي غناء لم أسمع قطّ أحسن منه و هو:
صوت
و كنت إذا ما جئت سعدى بأرضها
أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها
من الخفرات البيض ودّ جليسها
إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
فكدت أسقط عن راحلتي طربا؛ فقلت: و اللّه لألتمسنّ الوصول إلى هذا الصوت و لو بذهاب عضو من أعضائي حتى هبطت من الشّرف [٢]، فإذا أنا برجل يرعى غنما و إذا هو صاحب الصوت، فأعلمته الذي أقصدني إليه و سألته إعادته عليّ؛ فقال: و اللّه لو كان عندي قرى ما فعلت، و لكني أجعله قراك، فربما ترنّمت به/ و أنا جائع فأشبع، و كسلان فأنشط و مستوحش فآنس؛ فأعاده عليّ مرارا حتى أخذته، فو اللّه ما كان لي كلام غيره حتى دخلت المدينة، و لقد وجدته كما قال. حدّثني بهذا الخبر الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الزّبير بن بكّار قال حدّثني المؤمّل بن طالوت الواديّ قال حدّثني مكين العذريّ قال: سمعت عمر الواديّ يقول: بينا أنا أسير بين الرّوحاء [٣] و العرج، ثم ذكر مثله، و قال فيه: فربما ترنّمت به و أنا غرثان فيشبعني، و مستوحش فيؤنسني، و كسلان فينشّطني.
قال: فما كان زادي حتى و لجت المدينة غيره [٤]، و جرّبت ما وصفه الراعي فيه فوجدته كما قال.
نسبة هذا الصوت
صوت
لقد هجرت سعدى و طال صدودها
و عاود عيني دمعها و سهودها
و كنت إذا ما زرت سعدى بأرضها
أرى الأرض تطوى لي و يدنو بعيدها
منعّمة لم تلق بؤس معيشة
هي الخلد في الدنيا لمن يستفيدها
هي الخلد ما دامت لأهلك جارة
و هل دام في الدنيا لنفس خلودها
الشعر لكثيّر. و الغناء لابن محرز ثقيل أوّل مطلق بالبنصر عن يحيى المكيّ. و ذكر الهشاميّ أنّ فيه ليزيد
[١] العرج: عقبة بين مكة و المدينة على جادة الحاج تذكر مع السقيا.
[٢] الشرف: المكان العالي.
[٣] الروحاء: موضع بين مكة و المدينة، أوّل من سماها بذلك تبع، قال ابن الكلبيّ: لما رجع تبع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل بالروحاء فأقام بها و أراح فسماها الروحاء، و قيل فيها غير ذلك. (انظر ياقوت في الكلام عليها).
[٤] في أ، ء، م: «غيرهما».