الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٩٠ - أبو دهبل و عاتكة بنت معاوية
شهدناه؛ فإذا بجارية قد اطّلعت فطرحت في حجر الفتى رقعة ما رأيت أحسن من شكلها مختومة بعنبر؛ فقرأها منفردا بها ثم أجاب عنها و رمى بها إلى الجارية. فلم نلبث أن خرج خادم من الدار في يده كرش [١]، فدخل إلينا فصفع/ الفتى به حتى رحمناه و خلّصناه من يده و قمنا أسوأ الناس حالا. فلما تباعدنا سألناه عن الرقعة، فإذا فيها مكتوب:
كفى حزنا أنّا جميعا ببلدة
كلانا بها ثاو و لا نتكلّم
فقلنا له: هذا ابتداء ظريف، فبأيّ شيء أجبت أنت؟ قال: هذا صوت سمعته يغنّى فيه، فلمّا قرأته في الرقعة أجبت عنه بصوت مثله. فسألناه ما هو؟ فقال: كتبت في الجواب:
أراعك بالخابور [٢] نوق و أجمال
فقلنا له: ما وفّاك القوم حقك قط، و قد كان ينبغي أن يدخلونا معك في القصّة لدخولك في جملتنا، و لكنّا نحن نوفّيك حقّك؛ ثم تناولناه فصفعناه حتى لم يدر أيّ طريق يأخذ؛ و كان آخر عهده بالاجتماع معنا.
رجع الخبر إلى سياقة أخبار أبي دهبل
أبو دهبل و عاتكة بنت معاوية
: أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال حدّثنا صالح بن حسّان قال، و أخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني محمد بن عمر قال حدّثني محمد بن السّريّ قال حدّثنا هشام بن الكلبيّ عن أبيه، يزيد أحدهما على الآخر في خبره، و اللفظ لصالح بن حسان و خبره أتمّ، قال:
حجّت عاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان، فنزلت من مكة بذي طوي. فبينا هي ذات يوم جالسة و قد اشتد الحرّ و انقطع الطريق، و ذلك في وقت الهاجرة، إذ/ أمرت جواريها فرفعن السّتر و هي جالسة في مجلسها عليها شفوف لها تنظر إلى الطريق، إذ مرّ بها أبو دهبل الجمحيّ، و كان من أجمل الناس و أحسنهم منظرا؛ فوقف طويلا ينظر إليها و إلى جمالها و هي غافلة عنه؛ فلمّا فطنت له سترت وجهها و أمرت بطرح السّتر و شتمته. فقال أبو دهبل:
إني دعاني الحين فاقتادني
حتى رأيت الظبي بالباب
يا حسنه إذ سبّني مدبرا
مستترا عنّي بجلباب
سبحان من وقّفها حسرة
صبّت على القلب بأوصاب
يذود عنها إن تطلّبتها
أب لها ليس بوهّاب
أحلّها قصرا منيع الذّرى
يحمى بأبواب و حجّاب
قال: و أنشد أبو دهبل هذه الأبيات بعض إخوانه، فشاعت بمكّة و شهرت و غنّى فيها المغنّون، حتى سمعتها
[١] الكرش: لعله هنا وعاء الطيب.
[٢] الخابور: اسم لنهر كبير بين رأس عين و الفرات من أرض الجزيرة، ولاية واسعة و بلدان جمة غلب عليها اسمه، فنسبت إليه. كذا ذكره ياقوت و استشهد بهذا الشطر و نسب الشعر للأخطل.