الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٤ - قصة الخارجين عليه و مقتله
هذا الذي ترى عن دينك. فقال له الكلبيّ: يا أمير المؤمنين، أ لم أقل لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: و مكثت أياما، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به و الكلبيّ عنده، إذ نزل من عنده و قد كان الولد حمله على برذون هملاج [١] أشقر من أفره ما سخّر، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر؛ فما شعر إلّا و أعراب قد جاءوا به يحملونه منفسخة عنقه ميّتا/ و برذونه يقاد حتى أسلموه.
فبلغني ذلك، فخرجت متعمّدا حتى أتيت أولئك الأعراب، و قد كانت لهم أبيات بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها و لا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصّة هذا الرجل؟ فقالوا: أقبل علينا على برذون، فو اللّه لكأنه دهن يسيل على صفاة من فراهته، فعجبنا لذلك؛ إذ انقضّ رجل من السماء عليه ثياب بيض فأخذ بضبعيه [٢] فاحتمله ثم نكسه و ضرب برأسه الأرض فدقّ عنقه ثم غاب عن عيوننا؛ فاحتملناه فجئنا به.
قصة الخارجين عليه و مقتله
: و أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الخرّاز عن المدائنيّ قال:
لما أكثر الوليد بن يزيد التهتّك و انهمك في اللذّات و شرب الخمر و بسط المكروه على ولد هشام و الوليد و أفرط في أمره و غيّه، ملّ الناس أيامه و كرهوه. و كان قد عقد لابنيه بعده و لم يكونا بلغا؛ فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه، و كان أقواهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فمشى إلى أخيه العباس- و كان امرأ صدق و لم يكن في بني أميّة مثله، كان يتشبّه بعمر بن عبد العزيز- فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد؛ فقال له: يا أخي، إن الناس قد ملّوا بني مروان، و إنّ مشى بعضكم في أمر [٣] بعض أكلتم، و للّه أجل لا بدّ أن يبلغه فانتظره. فخرج من عنده و مشى إلى غيره، فبايعه جماعة من اليمانية الوجوه؛ فعاد إلى أخيه و معه مولّى له و أعاد عليه القول و عرّض له بأنه قد دعي إلى الخلافة؛ فقال له: و اللّه لو لا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجّهت بك إليه مشدودا؛ فنشدتك اللّه ألّا تسعى في شيء من هذا. فانصرف/ من عنده و جعل يدعو الناس إلى نفسه. و بلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه و مشى بعضهم إلى بعض في خلعه:
صوت
سلّ همّ النفس عنها
بعلنداة [٤] علاة
تتّقي الأرض و تهوي
بخفاف مدمجات
ذاك أم ما بال قومي
كسروا سنّ قناتي
و استخفّوا بي و صاروا
كقرود خاسئات
[١] الهملاج: الحسن السير في سرعة و بخترة.
[٢] الضبع: العضد و الإبط، يقال: أخذ بضبعيه أي بعضديه.
[٣] في ب، س، ح: «في أثر».
[٤] العلنداة: الناقة الضخمة الطويلة. و ناقة علاة الخلق أي طويلة جسيمة.