الهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٩٨ - ٢١٤/ ١ - ٦٦/ ٣ قوله و ذلك لأن أولى البراهين بإعطاء اليقين هو الاستدلال بالعلة على المعلول
على الموجودات المخصوصة. فمعنى كلام الشيخ حينئذ إنّ النّمط الرابع في ذكر الموجود المطلق أنّه لا يساوق المحسوس. و ينقسم إلى الواجب و الممكن و علله لأنّ كلّ علّة فإنّما هي علّة لثبوت الموجود المطلق و عروضه للماهيّات الموجودة، فصحّ أنّ الكلام في الوجود المطلق و علله، و لم يرد ما أوردنا.
ثمّ إنّه تسامح في العبارة و جعل المعلول هو الموجود المطلق باعتبار ثبوته للماهيّات، مع أنّ المعلولات هي الماهيّات من حيث إنّها موجودة، لأنّ الأثر المترتّب على التّأثير على رأى المشّائين هو الوجود. و على ما ذكرنا يندفع ما ذكره صاحب المحاكمات بقوله: «لا نسلّم أنّ الوجود المطلق إذا كان عارضا يكون مفتقرا ...» إلى آخره، و كذا ما ذكره بقوله:
«و أيضا إنّما يلزم أن يكون الوجود المطلق موجودا في الخارج»، لأنّه مبنيّ على أنّهم لا يطلقون المعلول إلّا على الموجودات الخارجيّة اصطلاحا، و قد ذكرنا أنّ هذه مسامحة منهم للتنبيه على أنّ الأثر الحاصل من الفاعل عندهم هو الوجود و كذا ما ذكره بقوله: «و نقول: أيضا مطلق الوجود ...» إلى آخره، لما ذكرنا من أنّ المراد من العلّية و المعلولية ما ذا؟
و أمّا ما أورده بقوله: «لقائل أن يقول» فيندفع بما استدلّ به في موضعه من أنّ المقول بالتشكيك لا يكون ذاتيا بالنسبة إلى أفراده، و مثل هذا الإيراد ليس له وقع في هذا المقام، إذ ليس غرض الشارح إلّا توجيه كلام الشيخ بما ثبت عندهم و استقرّ رأيهم عليه بالدّليل المشهور المسطور في الكتب، فإن أورد الإيراد فإنّما يورد على دليله لو ورد، و إلّا فلا. و ما نقله بقوله: «على أنّ من النّاس من ذهب إلى أنّ الاشتداد و الضعف اختلاف في نفس الماهيّة»، فمبنيّ على الخلط بين ما فيه الاختلاف و ما به الاختلاف، و ذلك لأنّ مرادهم أنّ الأشدّ بالنوع مخالف للأضعف، لا أنّ النّوع موجود فيهما لا بالتساوى بل بالاختلاف، و الثاني هو التشكيك في الماهيّة دون الأوّل.
و إن أريد أنّه يلزم حينئذ أن يكون الجنس مقولا بالتشكيك بالقياس إلى نوعي الأشدّ و الأضعف، فمن المعلوم أنّه لا يلزم بل نقول: نفس أحد النوعين أشدّ من نفس النوع الآخر، لا أنّ أحدهما أشدّ من الآخر في صدق الجنس. فتأمل!