اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٨٢ - الإدراك و الوجود الذهنى عند الحكماء
العلم يقتضيه بالذّات، و الباقيان يقارنانه لا على سبيل الوجوب.
و كذلك الحدّ الثّالث، و هو قولهم: «معرفة المعلوم على ما هو به» فإنّ المراد منه الاعتقاد على ما هو به، مع أنّ العلم و المعرفة و الاعتقاد متساوية فى الوضوح و الخفاء، ليس بعضها أحقّ بتعريف الباقين من بعض، و كأنّ الحدّين الأخيرين جزءا الحدّ الاوّل. [يعنى: جزءان للحدّ الأوّل].
و الحدّ الرّابع، و هو قولهم: «ما به يتّصف الذّات بأنّها عالمة» بمنزلة قول القائل:
«الحركة ما به يصير الشّىء متحرّكا» و هو مع كونه غير معقول لا يدلّ أيضا الّا على ما يجرى مجرى الانكشاف، لا على ما يقتضيه، فإنّ بالانكشاف يتّصف الذّات بكونها ذات انكشاف.
و امّا الحدّ الخامس، و هو قولهم «ما به يصحّ من الذّات إحكام الأشياء و إتقانها» فمن جنس تعريف اللوازم بالملزومات، و ذلك لانّ الإحكام فى الفعل و إتقانه يستلزم كون الفاعل عالما عند المتكلّمين، و لذلك يستدلّون بكون أفعال اللّه- تعالى- محكمة متقنة على كونه عالما قادرا. فاذن، ليس فى هذه الحدود ما يدلّ ظاهرا على كون العلم علّة الانكشاف. و باقى كلامه ظاهر، إلى قوله: «فلا نطوّل بذكرها».
(الإدراك و الوجود الذهنىّ عند الحكماء)
٩- قال: و بإزاء هؤلاء قوم يفسّرون العلم بأنّه حصول صورة المعلوم فى القوّة العاقلة، و يحدّون الإدراك الذي يتناول (عندهم) العلم و غيره، بأن يقولوا: إدراك الشّىء هو أن تكون حقيقته متمثّلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك، و يجعلون العلم هيأة تحصل فى نفس العالم لها إضافة إلى المعلوم.
و يستدلّون على ما قالوا بأنّ المدرك لا بدّ و أن تحضره صورة المدرك و توجد عنده، و قد يدرك ما لا وجود له فى نفسه، فيكون إدراكه له ليس وجوده فى نفسه، بل حصوله للقوى المدركة وجوده لها، و يعبّرون عن هذا بالوجود الذّهنىّ.
٩- أقول: هذا هو المشهور من مذهب الحكماء، إلّا أنّ القول بأنّ العلم صورة