اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٧٩ - حقيقة العلم
شاكّا، و لا شىء أظهر ممّا يميّزه الإنسان من نفسه فكما لا يحتاج أن يميّز بالحدّ جوعه و عطشه و ألمه و لذّته فكذلك العلم. و أيضا فلو احتاج كلّ شىء إلى حدّ لزم التّسلسل أو الدّور، و هما باطلان. فثبت أنّه لا بدّ من الانتهاء إلى امور غنيّة عن الحدّ ضروريّة التصوّر، و لا شىء أظهر من المحسوسات و الوجدانيّات، و العلم من باب الوجدانيّات، فلا يحتاج لظهوره إلى حدّ.
و الجواب عن الحجّة الاولى أنّ تميزه بين كونه عالما و بين غيره من أحوال نفسه لا يدلّ على أنّ حقيقة العلم لا تحتاج إلى حدّ، فانّ الّذي تميّز له إنّما هو الصّفة، و المطلوب شرحه انمّا هو الأمر الّذي لأجله حصلت الصّفة، و بينهما فرق ظاهر.
و مثال ذلك: أنّ الإنسان يميّز بين كون الجسم متحركا و ساكنا، و لا يدلّ تمييزه بين الصّفتين على تمييزه بين العرضين اللذين هما الحركة و السّكون و تصوّر حقيقتهما بالكنه. و كذلك إذا ميّز بين الحارّ و البارد، و الرّطب و اليابس، و الأسود و الأبيض، و غير ذلك من الصّفات، لم يلزم منه أن يعرف الحقائق، الّتي لأجلها اطلقت الصّفات على الموصوفات.
و الّذي يوضّح ما ذكرناه و يحقّقه: أنّ الاتفاق يقع على الصّفة الّتي هى كون العالم عالما و يتشارك النّظار فى إطلاقها، و يختلفون بعد ذلك فى فائدة وصف الذّات بها و لو كان العلم بحصول الصّفة للّذات و التّمييز بينهما و بين غيرها يكشف عن حقيقتها و يوضّح معناها لكلّ واحد لما وقع الخلاف بعد الوفاق و هذا الجواب على رأى من يجعل العلم معنى يوجب الصّفة.
و من يجعل العلم نفس كون الذّات عالمة، لا ما يوجب كونها عالمة، فإنّه يقول: إنّ تمييزه بين كونه عالما و كونه ظانّا و غير ذلك من أحواله لا يدلّ على تصوّر حقيقة العلم و الظنّ بكنهها، و إنّما يدلّ على تصوّرها بالجملة، و يجوز أن يكون بواسطة لازم آخر و ما يجرى مجراه. و يكون جوابه عن الأمرين واحدا، و هو أنّ التّصوّر على ضربين، ناقص و تامّ فما كان بواسطة اللوازم فهو ناقص، و ما كان بواسطة الذّاتيّات