اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٤ - قول الحكماء فى علم البارى تعالى بالجزئيات
مبدءا لصورة فلك، و بإمكانه مبدءا لمادّته، و بتعقّله الأوّل مبدءا لعقل ثان، و بتعقّله لذاته مبدءا لنفس هى نفس ذلك الفلك. و إنّما أوردوا ذلك على طريق التّمثيل و التّجوّز، لا على سبيل القطع و التّحقيق. و قد يلوح من ذلك للمستبصر ما بيّناه.
فبيّن أنّ وجوده هو الّذي من هذه الأربعة حصل من المبدأ الأوّل وحده. و هو بمنزلة «ب» فى مثالنا. و أمّا إمكانه فقد حصل من نسبة ماهيّته الّتي هى ما به يمتاز عن الأوّل، ثمّ عن غيره إلى وجوده. و هى، أعنى الماهيّة، هى الّتي تحصل فيما تحصل فى المرتبة الثّالثة منه بمنزلة «ه». و أمّا الإمكان فبمنزلة «ص». و أمّا تعقّله للمبدإ الأوّل فقد حصل منه بالنّظر إلى مبدئه، و هو بمنزلة «و». و أمّا تعقّله لذاته فإنّما يتحقق ذلك بإفاضة المبدأ الأوّل عليه ذلك التّعقّل، فهو بمنزلة «ج». و قد بيّنا أنّ الاعتبارات العقليّة و السّلوب تصلح لأن يصير المبدأ الأوّل بانضمامها إليه مبدءا لموجودات كثيرة.
و الحقّ الّذي يقتضيه اصولهم: أنّ جميع الموجودات صادرة عن المبدأ الأوّل.
و إنّما تصدر عنه باعتبارات هى أمور معقولة، أوصافا كانت أو إضافات أو سلوبا.
و مصدر الوجود و منبع الكون هو لا غير. و إنّما وصف بالقادريّة من حيث تعقّله بالقياس إلى مقدوراته، و بالعالميّة من حيث تعقّله بالقياس إلى معلوماته، و بالمريديّة من حيث تعلّق عنايته المخصوصة للطرف الخاصّ بالوجود من طرفى الإمكان، دون الطرف الأخير. و كذلك القول فى سائر صفاته، فهى لكونها أمورا عقليّة متأخّرة عن الكثرة تكون متأخّرة عن صدور الكثرة، و اتّصاف الواجب بالصّفات الممكنة لا يثلم فى واجبيّته. فهذا ما فهمته من مذهبهم فى كيفيّة صدور الكثرة عن المبدأ الأوّل الواحد الواجب لذاته، تعالى و تقدّس.
(قول الحكماء فى علم البارى تعالى بالجزئيّات)
و أمّا قولهم فى العلم بالجزئيّات، فأقول فيه، أوّلا: إنّ الأهمّ فى هذا الباب تحقيق حقيقة العلم. و ذلك يشتمل على إطناب مع مخالفة للمتقدّمين منهم. و قد عرضت لشىء منه فى «شرح الإشارات» فى باب تحقيق علمه، تعالى، بغيره، فلنعرض عنه هاهنا، و نشتغل بالمسألة و نقول: العلم بالجزئيات، أعنى الشّخصيّات الزّمانيّة و المكانيّة قد يكون على وجه كلّيّ عقليّ و قد يكون على وجه جزئيّ حسيّ أو خياليّ.
و [الوجه] الأوّل يكون على طريق الإحاطة بجميع الزّمان من الأزل إلى الأبد، بما فيه من الأجزاء المفروضة و جميع المتزمّنات المقارنة لزمان زمان، و جميع