اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ٤٢ - قول الحكماء فى صدور الموجودات عن مبدئها الأول
حرّرت ما اقتضاه الوقت و حضر فى الحال، راجيا أن أعود و أكتب فى أوان الفراغ، ذكرا وافيا بما طلبه، و شرحا كافيا لما قصده، مستعينا بالله وحده، مفيض العقل و ملهم الصّواب.
(قول الحكماء فى صدور الموجودات عن مبدئها الأوّل)
فأقول: أمّا المطلوب [الأوّل] فلنقدّم له مقدّمة، هى أنّ كلّ كثرة مفتقرة إلى الواحد، بل إلى الآحاد الّتي يلتئم عنها تلك الكثرة فإذن هى محتاجة إلى مبدأ و إلى مبادئ. فكلّ محتاج إلى المبدأ الأوّل لا يصلح لأن يكون أوّل المبادئ. فإذن، المبدأ الأوّل لا يمكن أن يكون إلّا واحدا. و الواحد بالحقيقة الّذي يصلح لأن يكون مبدءا أوّلا لا يمكن أن يكون مشتملا على كثرة فى ماهيّته و لا أن يكون معه كثرة خارجة عن ماهيّته معتبرة فى مبدئيّته. و إذا كان شىء بهذه الصّفة فلا يمكن أن يقارنه صفات و لا اعتبارات مختلفة و لا إضافات و لاسلوب فإنّ جميع ذلك يتقدّمه كثرة لا محالة.
و إذا تقرّرت هذه المقدّمة، فأقول: الواحد بالصّفة المذكورة لا يمكن أن يصدر عنه إلّا واحد، بلا اعتبار غير ذاته لأنّه إذا صدر عنه شيئان كان اعتبار صدورهما عنه متغايرين و حيثيّتا صدورهما مختلفين، فيكون معه اعتباران أو حيثيّتان و قد فرضنا نفيهما هذا خلف. و هذا معنى قول الحكماء: «لا يصدر عن الواحد باعتبار واحد إلّا واحد».
أمّا إذا تكثّرت الاعتبارات و الحيثيّات و إن كانت ذهنيّة أو سلبيّة أمكن صدور الكثرة عن الواحد بتلك الاعتبارات أو الحيثيّات مثلا، الصّبّاغ إذا وجد ثوبا دسما اشتغل بغسله، و إن وجده بغير دسم اشتغل بصبغه، فيصير وجود شىء سببا لفعل غير الفعل الأوّل. و أيضا، النّار الواحد يعمله تسويدا فى الحطب، و تبييضا فى الفحم، و تسخينا فى الماء، و تجفيفا فى الطين. و كلّ ذلك الاختلاف لاختلاف الموادّ. و من أراد مسكنا، قصد بناء بيت، ثمّ أراد للبيت بابا و للباب غلقا و للغلق مادّة و صانعا، إلى غير ذلك. و إنّما يشتغل باتّخاذ شىء بعد شىء، لانضياف تخيّلات مرتّبة إلى قصده الأوّل. و بالجملة يوجد لذلك أمثلة كثيرة.
و إذا ظهر ذلك، فأقول: إذا صدر عن المبدأ الأوّل الواحد واحد فى المرتبة الأولى من مراتب الصّدور أمكن أن يتكثّر الاعتبارات فى المرتبة الثّانية مثلا، يحدث لكلّ واحد من المبدأ و الصّادر إضافة إلى الآخر، هى أمر يعقل فى كلّ واحد منهما