اجوبه المسايل النصيريه - الطوسي، الخواجة نصير الدين - الصفحة ١٨٧ - فصل ثالث
محقّق و إخبار إلهيّ.
(٢٨) فقد بان أنّ العلم اليقينىّ الّذي لا ريب فيه يعسر اقتناصه بالقانون الفكرىّ و البرهان النّظرىّ. هذا مع أنّ الأمور المثبتة بالبراهين، على تقدير صحّتها فى نفس الأمر و سلامتها فى زعم المتمسّك بها بالنّسبة إلى الأمور المحتملة، و المتوقّف فيها لعدم انتظام البرهان على صحّتها و فسادها، يسيرة جدّا. و إذا كان الأمر كذلك، فالظفر بمعرفة الأشياء و من طريق البرهان وحده إمّا متعذّر مطلقا أو فى أكثر الأمر.
(٢٩) و لمّا اتّضح لأهل البصائر و العقول السّليمة أنّ لتحصيل المعرفة الصّحيحة طريقين: طريق البرهان بالنّظر و الاستدلال، و طريق العيان الحاصل من الكشف بتصفية [١٥، ألف] الباطن و الالتجاء إلى الحقّ و الحال فى المرتبة النّظريّة، فقد استبان بما أسلفنا. فتعيّن الطريق الآخر، و هو التّوجّه إلى الحقّ بالتّعرية و الافتقار التّامّ و تفريغ القلب بالكلّيّة من سائر التّعلّقات الكونيّة و العلوم و القوانين.
و لمّا تعذّر استقلال الإنسان بذلك فى أوّل الأمر، وجب عليه اتّباع من سبقه بالاطّلاع من سالكى طريقه- تعالى- ممّن خاض لجّة الوصول و فاز بنيل البغية و المأمول، كالرّسل- صلوات اللّه عليم- الّذين جعلهم الحقّ تراجمة وحيه و إرادته و مظاهر علمه و عبادته و من كملت وراثته منهم علما و حالا و مقاما، عساه- سبحانه- يجود بنور كاشف يظهر الأشياء كما هى، كما فعل ذلك بهم و بتبّاعهم من أهل عنايته و الهادين المهديّين من بريّته. «و اللّه يقول الحقّ و هو يهدى السّبيل» (الأحزاب: ٤).
فصل ثالث
(٣٠) اعلم أنّ لكلّ حقيقة من الحقائق المجرّدة البسيطة المظهرة تعيّن المواد و المتعيّنة بها، سواء كانت من الحقائق الكونيّة أو ممّا ينسب إلى الحقّ بطريق الاسميّة و الوصفيّة و نحوهما، لوازم و صفات و وجوها و خواصّ، و تلك الصّفات و ما ذكر هى أحكام الحقائق و نسبها، فبعضها خواصّ و لوازم قريبة و بعضها بعيدة. فكلّ طالب