كسر أصنام الجاهلية - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٧
يؤثر [١] التبتّل [٢] و التفرّد و الفكر و الذّكر، و ينغمس في بحار المعرفة، و يترك الرّئاسة، و يستحقر الخلق.
و أمّا من لا خبر له عن المعرفة و لذّتها، كمتصوّفة هذا الآن، فتراهم يؤثرون صحبة الجماعة و كثرة الكلام معهم و أكل الشّبهة و الحرام في مجلسهم و طلب الحطام بوسيلتهم، على الخلوة و التّفرّد بذكر اللّه و الاشتغال بأمور مقرّبة إليه تعالى [٣] لا يطّلع عليه غيره. كلّ ذلك لخلوّ قلوبهم عن معرفة اللّه و تسليتهم عنه بغيره. و إلّا فالعارف المحقّق [٤] يستوحش عن صحبة الخلق، وحشة الإنسان الحيّ عن مقاربة الأموات في بيت مظلم. بل العارف الرّبّانيّ يستوحش من هذه الحياة الدّنياويّة الّتي تحجبه عن ملاحظة ذاته تعالى على الوجه التّامّ، و لا يزال [٥] يريد الموت الطّبيعيّ للوصول إلى لقاء اللّه و حظيرة القدس، تحقيقا لقوله تعالى:
مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ [٦].
فكلّ من يرغب في الدّنيا و يستأنس بصحبة الجماعة و يتحاشى عن التّفرّد منهم [٧]- إمّا بالموت أو بالخلوة عن الخلق- و يدّعي المعرفة و الولاية، فهو منافق كذّاب [٨]. قال اللّه تعالى في حقّ اليهود و كشف فضيحتهم و تكذيب دعواهم محبّة الحقّ و ولايته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ، مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [٩].
فالعارف يعلم علما يقينيّا تحقيقيّا [١٠] كشفيّا أنّ لذّة معرفته [١١] و مطالعة
[١] آس: تؤثر.
[٢] مج: التقبّل.
[٣] آس:+ و.
[٤] آس: المحقّ.
[٥] آس: لا تزال.
[٦] سوره عنكبوت [٢٩] ، آيه ٥.
[٧] آس: معهم.
[٨] آس:+ كما.
[٩] سوره جمعه [٦٢] ، آيه ٦.
[١٠] آس: و تحقيقا.
[١١] آس: معرفة اللّه.