روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٨٤ - وصية علي عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية
.........
______________________________
يا بني- إني قد أنبأتك عن الدنيا و حالها و زوالها و انتقالها و أنبأتك عن الآخرة
و ما أعد لأهلها فيها و ضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها و تحذو عليها (أي تقتدي
بها) إنما مثل من خبر الدنيا كمثل قوم سفر (أي مسافرين) بنابهم[١] (أي لم يوافقهم) منزل جديب فأتوا
منزلا خصيبا و جنابا (أي فضاء) مريعا (أي ذا كلاء و ماء) فاحتملوا وعثاء السفر (أي
مشقته) و فراق الصديق و خشونة السفر و جشوبة المطعم (أي غلظه) ليأتوا سعة دارهم و
منزل قرارهم فليس يجدون لشيء من ذلك ألما[٢]
و لا يرون نفقة مغرما و لا شيء أحب إليهم مما قربهم من منزلهم و أدناهم من محلهم.
و مثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبي بهم إلى منزل جديب فليس شيء أكره إليهم و لا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يحجمون عليه و يصيرون إليه.
يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك و بين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك و أكره له ما تكره لها، و لا تظلم كما لا تحب أن تظلم و أحسن كما تحب أن يحسن إليك و استقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك و أرض من الناس ما ترضاه لهم من نفسك و لا تقل: ما لا تعلم و إن قل ما تعلم و لا تقل: ما لا تحب أن يقال لك.
و اعلم أن الإعجاب ضد الصواب و آفة الألباب فاسع في كدحك (أي فيما يشق عليك) و لا تكن خازنا لغيرك و إذا أنت هديت لقصدك فكن أخشع ما تكون لربك.
و اعلم أن أمامك طريقا ذا مسافة بعيدة و مشقة شديدة، و أنه لا غنى بك فيه عن حسن الارتياد و قدر بلاغك من الزاد مع خفة الظهر فلا تحملن على ظهرك فوق
[١] بنا بفلان منزله- لم يوافقه-( أقرب الموارد) و الجديب القحط.