روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ١٩١ - مواعظ النبي صلى الله عليه و آله و الأئمة عليهم السلام
.........
______________________________
المسألة، الطلب معلوم و الوجه مجهول فلا يمكن القول بعدم الوجوب واقعا، بل ظاهرا
أيضا لأن المفتي يحكم على أن هذا حكم الله في الواقع بحسب ظنه و الواقع مجهول عنده
فلا يجوز أن يحكم بأن الواقع الندب بل لا يعرف الواقع و إنما يعرف مطلق الطلب و هو
الرجحان المطلق.
(فإن قيل) قد تقدم أنه لا عمل إلا بنية، و إنما الأعمال بالنيات- و لا شك في انقسام أحكام الله بالوجوب أو الندب أو الكراهة أو الحرمة أو الإباحة و الواجب يمتاز عن الندب، فإذا لم ينو الوجوب فلم يأت بالفعل (قلنا) أخبار النية تدل على لزوم نية، و ظهر من أخبار أخر أنه يلزم نية القربة فإذا أتى بالفعل متقربا فقد عمل بالأخبار، و أما امتياز الواجب عن الندب فلم يدل دليل عليه و لو سلم فنية التعيين كافية، فإن صلاة الظهر لا تكون إلا (واجبة- ظ) إلا إذا أراد الإعادة فعلمه بالإعادة كاف في الامتياز.
و لهذا قال الشهيدان إنه لا يحتاج في الوضوء إلى نية الوجه لأنه إن كان مشغول الذمة بصلاة واجبة مثلا فهو واجب واقعا و إلا فهو مندوب فلا يوجد وضوء مشكوك حتى يحتاج إلى التمييز، و النية التي هي مطلوبة هي أن يوقع الفعل لإطاعة أمره" أو" لشكره" أو" لمحبته" أو" لكونه أهلا له و أمثالها، و هذه أمور عسرة تحتاج إلى رياضة النفس بحيث لا يكون له مقصد إلا الله تعالى و يكون نظره مقطوعا عن الجنة أو الخلاص من النار و إن كان الظاهر أن أكثر الناس لم يكلفوا بهذه النية كما تقدم الأخبار قريبا أنه عليه السلام وصف هاتين العبادتين بالعبادة لكنهما ليستا كما تنبغيان.
و أنت تشاهد أن مدار المتسمين بالعلماء، البحث عن أمثال هذه النيات و لا يشتغلون مدة أعمارهم بإصلاحها فمرة يقولون: نحن من المخلصين، و مرة يقولون: هذه رتبة الأنبياء و الأوصياء، و ليس ذلك من دأب العلماء، جعلهم الله و إيانا من المخلصين و لا يدعنا مع أنفسنا فإنها إمارة بالسوء إلا من رحم الله إياه.