روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٨٣ - وصية علي عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية
.........
______________________________
و ابدأ قبل نظرك في ذلك بالاستعانة بإلهك و الرغبة إليه في توفيقك، و ترك كل شائبة
أولجتك في شبهة أو سلمتك إلى ضلالة، فإذا أيقنت أن قد صفا قلبك فخشع و تمَّ رأيك و
اجتمع، و كان همك في ذلك هما واحدا فانظر فيما فسرت لك و إن أنت لم يجتمع لك ما
تحب من نفسك و فراغ نظرك و فكرك فاعلم أنك إنما تخبط العشواء و تتورط الظلماء، و
ليس طالب الدين من خبط أو خلط و الإمساك عن ذلك أمثل فتفهم يا بني وصيتي.
و اعلم أن مالك الموت هو مالك الحياة، و أن الخالق هو المميت، و أن المفني هو المعيد، و أن المبتلي هو المعافي، و أن الدنيا لم تكن لتستقر إلا على ما جعلها الله عليه من النعماء و الابتلاء و الجزاء في المعاد، و ما شاء مما لا نعلم فإن أشكل عليك شيء من ذلك فاحمله على جهالتك به فإنك أول ما خلقت جاهلا ثمَّ علمت و ما أكثر ما تجهل من الأمر و يتحير فيه رأيك و يضل فيه بصرك ثمَّ تبصره بعد ذلك؟
فاعتصم بالذي خلقك و رزقك و سواك و ليكن له تعبدك و إليه رغبتك و منه شفقتك و اعلم يا بني أن أحدا لم ينبئ عن الله سبحانه كما أنبأنا عنه نبينا (الرسول- خ) صلى الله عليه و آله و سلم فارض به رائدا و إلى النجاة قائدا فإني لم آلك (أي لم أقصرك) نصيحة و إنك لم تبلغ في النظر لنفسك و إن اجتهدت مبلغ نظري لك.
و اعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله و لرأيت آثار ملكه و سلطانه و لعرفت أفعاله و صفاته، و لكنه إله واحد كما وصف نفسه لا يضاده في ملكه أحد و لا يزول أبدا، و لم يزل أول قبل الأشياء بلا أولية، و آخر بعد الأشياء بلا نهاية، عظم إن تثبت ربوبيته بإحاطة قلب أو بصر.
فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله في صغر خطره، و قلة مقدرته و كثرة عجزه، و عظيم حاجته إلى ربه في طلب طاعته، و الرهبة (الخشية- خ) من عقوبته، و الشفقة من سخطه فإنه لم يأمرك إلا بحسن، و لم ينهك إلا عن قبيح.