روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٨٢ - وصية علي عليه السلام لابنه محمد بن الحنفية
.........
______________________________
في جسمي (أو) يسبقني إليك بعض غلبات الهوى (أو) فتن الدنيا فيكون كالصعب النفور، و
إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن
يقسو قلبك و يشتغل لبك لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته و
تجربته فتكون قد كفيت مئونة الطلب و عوفيت من علاج التجربة فأتاك من ذلك ما قد كنا
نأتيه و استبان لك ما ربما أظلم علينا منه (أو فيه).
أي بني إني و إن لم أكن عمرت عمر من كان قبلي فقد نظرت في أعمالهم و فكرت في أخبارهم، و سرت في آثارهم حتى عدت كأحدهم، بل كأني بما انتهى إلى من أمورهم قد عمرت مع أولهم إلى آخرهم فعرفت صفو ذلك من كدره و نفعه من ضرره فاستخلصت لك من كل أمر نخيلته و توخيت لك جميلة و صرفت عنك مجهوله و رأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق و أجمعت عليه من أدبك أن يكون ذلك و أنت مقبل العمر و مقتبل الدهر ذو نية سليمة و نفس صافية و إن أبتدؤك بتعليم كتاب الله عز و جل و تأويله و شرائع الإسلام و أحكامه و حلاله و حرامه و لا أجاوز ذلك بك إلى غيره ثمَّ أشفقت أن يتلبس عليك ما اختلفت الناس من أهوائهم و آرائهم مثل الذي التبس عليهم فكان أحكام ذلك على ما كرهت من تنبيهك له أحب إلي من إسلامك إلى أمر لا آمن عليك فيه الهلكة و رجوت أن يوفقك الله فيه لرشدك و أن يهديك لقصدك فعهدت إليك وصيتي هذه.
و اعلم يا بني أن أحب ما أنت آخذ به إلى من وصيتي تقوى الله و الاقتصار على ما فرضه الله عليك و الأخذ بما مضى عليه الأولون من آبائك و الصالحون من أهل بيتك، فإنهم لم يدعوا أن نظروا لأنفسهم كما أنت ناظروا فكروا كما أنت مفكر، ثمَّ ردهم آخر ذلك إلى الأخذ بما عرفوا و الإمساك عما لم يكلفوا، فإن أبت نفسك أن تقبل ذلك دون أن تعلم كما علموا فليكن طلبك ذلك بتفهم و تعلم لا بتورط الشبهات و علو الخصومات.