إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٣٦٩
في مصحفه بتمام ما أنزل الله عزوجل على رسوله صلى الله عليه وآله منه، وخشيا أن يقبلا ذلك منه فيظهر ما يفسد عليهما عند الناس ما ارتكباه من الاستيلاء على اُمورهم، ويظهر فيه فضائح المذمومين بأسمائهم، وطهارة الفاضلين المحمودين بذكرهم، فلذلك قالا: لا نقبل القرآن من أحد إلاّ بشاهدي عدل.
هذا مع ما يلزم من يتولاّهما انّهما لم يكونا عالمين بتنزيل القرآن، لأنّهما لو كانا يعلمانه لما احتاجا أن يطلباه من غيرهما ببيّنة عادلة، وإذا لم يعلما التنزيل كان محالا أن يعلما التأويل، ومن لم يعلم التنزيل ولا التأويل كان جاهلا بأحكام الدين وبحدود ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله، ومن كان بهذه الصفة خرج عن حدود من يصلح أن يكون حاكماً بين المسلمين أو اماماً لهم، ومن لم يصلح لذلك ثمّ دخل فيه فقد استوجب المقت من الله عزوجل، لأنّ من لا يعلم حدود الله يكون حاكماً بغير ما أنزل الله، وقال سبحانه: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فاُولئك هم الكافرون}[١].
ومنها انّ الاُمّة مجمعة على انّ رسول الله صلى الله عليه وآله ضمّه وصاحبه مع جماعة من المهاجرين والأنصار إلى اُسامة بن زيد وولاّه عليهما، وأمره بالمسير فيهم، وأمرهم بالمسير تحت رايته وهو أمير عليهم إلى بلاد الشام، ولم يزل رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: لينفّذ جيش اُسامة حتّى توفّي صلى الله عليه وآله في مرضه ذلك، وانّهما لم ينفّذا وتأخّرا عن اُسامة في طلب ما استوليا عليه من اُمور الاُمة[٢].
فبايع الناس لأبي بكر واُسامة معسكر في مكانه على حاله خارج المدينة،
[١] المائدة: ٤٤.
[٢] راجع في تخلّف القوم عن جيش اُسامة: الملل والنحل ١: ٢٣، وفيه: "جهّزوا جيش اُسامة لعن الله من تخلّف عنه"; السيرة الحلبيّة ٣: ٢٠٧; شرح النهج لابن أبي الحديد ١: ٥٣; الكامل في التاريخ ٢: ٢١٥; كنز العمال ٥: ٣١٢; تاريخ اليعقوبي ٢: ١١٣; صراط المستقيم: ٢٩٦ باب١٢.