إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٢١٢
ولقد أشفقت عليه من ذلك، ولن يفلح القوم بعد قتلهم إيّاه.
فمضى الفتى بالمصحف حتّى وقف بازاء عسكر عائشة، وطلحة والزبير حينئذ عن يمين الهودج وشماله ـ وكان له صوت ـ فنادى بأعلى صوته: معاشر الناس هذا كتاب الله وانّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يدعوكم إلى كتاب الله والحكم بما أنزل الله فيه، فأنيبوا إلى طاعة الله والعمل بكتابه.
قال: وكانت عائشة وطلحة والزبير يسمعون قوله فأمسكوا[١]، فلمّا رأى ذلك أهل عسكرهم بادروا إلى الفتى والمصحف في يمينه فقطعوا يده اليمنى، فتناول المصحف بيده اليسرى وناداهم بأعلى صوته مثل ندائه أوّل مرّة، فبادروا إليه وقطعوا يده اليسرى، فتناول المصحف واحتضنه ودماؤه تجري عليه وناداهم مثل ذلك، فشدّوا عليه فقتلوه ووقع ميّتاً فقطّعوه ارباً ارباً، ولقد رأينا شحم بطنه أصفر.
قال: وأمير المؤمنين عليه السلام واقف يراهم، فأقبل على أصحابه وقال: إنّي والله ما كنت في شك ولا لبس من ضلالة القوم وباطلهم، ولكن أحببت أن يتبيّن لكم جميعاً ذلك من بعد قتلهم الرجل الصالح حكيم بن جبلة العبدي في رجال صالحين معه، و[تضاعف][٢] ذنوبهم بهذا الفتى، وهو يدعوهم إلى كتاب الله والحكم به والعمل بموجبه، فثاروا إليه فقتلوه ولا يرتاب بقتلهم مسلم، ووقدت[٣]الحرب واشتدّت، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: احملوا عليهم، بسم الله حم لا ينصرون، وحمل هو بنفسه والحسنان وأصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله.
فغاص في القوم بنفسه، فوالله ما كانت إلاّ ساعة من نهار حتّى رأينا القوم
[١] قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب الجمل: ٣٣٩: "فأقبل الغلام حتّى وقف بازاء الصفوف ونشر المصحف وقال: هذا كتاب الله عزوجل وأمير المؤمنين عليه السلام يدعوكم إلى ما فيه، فقالت عائشة: اشجروه بالرماح قبّحه الله، فتبادروا إليه بالرماح فطعنوه من كلّ جانب...".
[٢] أثبتناه من البحار، وفي "ج": ووثوبهم بهذا الفتى.
[٣] في "ب": وقعت.