إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٢٤١
ثمّ أطلت الفكر في هذه الأرض فقلت: من سطحها على صميم الماء الزاخر؟ ومن حبسها بالجبال أن تميد على كلّ شيء، وأطلت فكري في نفسي فقلت: من أخرجني جنيناً من بطن اُمّي؟ ومن غذّاني؟ ومن ربّاني في بطنها؟ انّ لهذا صانعاً ومدبراً غير دقيانوس الملك، وما هو إلاّ ملك الملوك وجبّار السماوات.
فأكبّت[١] الفتية على رجليه يقبّلوهما ويقولون له: قد هدانا الله من الضلالة إلى الهدى بك فأشر علينا، قال: فوثب تمليخا فباع تمراً من حائط له بثلاثة دراهم[٢] وصرّها في كمّه وركبوا على خيولهم وخرجوا من المدينة، فلمّا ساروا ثلاثة أميال قال تمليخا: يا اخوتاه ذهب ملك الدنيا وزال أمرها انزلوا عن خيولكم، وامشوا على أرجلكم [لعلّ الله يجعل لكم من أمركم فرجاً ومخرجاً، فنزلوا عن خيولهم][٣]، ومشوا سبع فراسخ في ذلك اليوم، فجعلت أرجلهم تقطر دماً.
قال: فاستقبلهم راع فقالوا: يا أيّها الراعي هل من شربة لبن؟ هل من شربة ماء؟ فقال الراعي: عندي ما تحبّون ولكن أرى وجوهكم وجوه الملوك، وما أظنّكم إلاّ هرابا من دقيانوس الملك، فقالوا: يا أيّها الراعي لا يحلّ لنا الكذب، أفينجينا معك الصدق؟ قال: نعم، فأخبروه بقصّتهم، فأكبّ الراعي على أرجلهم يقبّلها وقال: يا قوم لقد وقع في قلبي ما وقع في قلوبكم، ولكن امهلوني حتّى أردّ الأغنام على أربابها وألحق بكم، فوقفوا له فردّ الأغنام وأقبل يسعى يتبعه كلب له.
فقال اليهودي: يا عليّ ما كان اسم الكلب وما لونه؟ قال عليّ عليه السلام: يا أخا اليهود أمّا لون الكلب فكان أبلق بسواد، وأمّا اسمه فكان قطمير، فلمّا نظر الفتية إلى الكلب قال بعضهم لبعض: إنّا نخاف أن يفضحنا هذا الكلب بنباحه،
[١] في "ج": قال: فانكبّت.
[٢] في "ج": بثلاثة آلاف درهم.
[٣] أثبتناه من "ج".