إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٣٩٧
فصاروا شركاؤك في سلطانك، وصانعهم العمال بالهدايا خوفاً منهم فقالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه، فاختزنوا الأموال وحالوا بين المتظلّم ودونك، فامتلأت بلاد الله فساداً وبغياً وظلماً، فما بقي الإسلام وأهله على هذا.
وقد كنت اُسافر إلى بلاد الصين وبها ملك قد ذهب سمعه فجعل يبكي، فقال له وزراؤه: ما يبكيك؟ فقال: لست أبكي على ما نزل من ذهاب سمعي، ولكن لمظلوم يصرخ بالباب ولا أسمع نداءه، ولكن إن كان سمعي قد ذهب فبصري باق، نادوا في الناس: لا يلبس ثوب أحمر إلاّ مظلوم، فكان يركب الفيل في كلّ طرف نهار هل يرى مظلوماً فلا يجده.
هذا وهو مشرك بالله وقد غلبت رأفته بالمشركين على شحّ نفسه، وأنت مؤمن بالله وابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وآله ولا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك، فإنّك لا تجمع المال إلاّ لواحدة من ثلاث، إن قلت: إنّك تجمع لولدك فقد أراك الله تعالى الطفل الصغير يخرج من بطن اُمّه لا مال له فيعطيه الله، فلست بالذي تعطيه بل الله سبحانه الذي يعطي، وإن قلت: أجمعها لتشييد سلطاني، فقد أراك الله القدير عبراً في الذين تقدّموا ما أغنى عنهم ما جمعوا من الأموال، ولا ما أعدّوا من السلاح، وإن قلت: أجمعها لغاية هي أحسن من الغاية التي أنا فيها، فوالله ما فوق ما أنت فيه منزلة إلاّ العمل الصالح.
يا هذا هل تعاقب من عصاك إلاّ بالقتل؟! فكيف تصنع بالله الذي لا يعاقب إلاّ بأليم العذاب، وهو يعلم منك ما أضمره قلبك وعقدت عليه جوارحك، فماذا تقول إذا كنت بين يديه للحساب عرياناً؟! هل يغني عنك ما كنت فيه شيئاً؟!.
قال: فبكى المنصور بكاءً شديداً وقال: يا ليتني لم اُخلق ولم أك شيئاً، ثمّ قال: ما الحيلة فيما حولت؟ قال: عليك بالأعلام العلماء الراشدين، قال: فرّوا منّي، قال: فرّوا منك مخافة أن تحملهم على ظهر من طريقتك، ولكن افتح الباب، وسهّل