إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٣٧٠
والاُمة مجمعة على انّ من عصى رسول الله وخالفه فقد عصى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله بنصّ الكتاب العزيز، والاُمة أيضاً مجمعة على انّ معصية الرسول بعد وفاته كمعصيته في حياته، وانّ طاعته بعد وفاته كطاعته في حياته، وانّهما لم يطيعاه في الحالتين وتركا أمره بالخروج، ومن ترك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله متعمّداً وخالفه وجب الحكم بارتداده.
ومنها انّه لمّا حضرته الوفاة جعل ما كان اغتصبه وظلم في الاستيلاء عليه لعمر من بعده[١]، وطالب الناس بالبيعة له والرضا به، كره في ذلك من كره ورغب من رغب، وقد أجمعوا في روايتهم انّ الغالب كان من الناس يومئذ الكراهة، فلم يفكّر في ذلك وجعله الوالي عليهم على كره منهم، وخوّفوه من الله عزوجل في توليته فقال: بالله تخوّفوني، إذا أنا لقيته قلت له: إنّي استخلفت عليهم خير أهلك[٢].
فكان هذا القول جامعاً لعجائب من المنكرات الفضيعات، أرأيت لو أجابه الله تعالى فقال: من جعل إليك ذلك، ومن ولاّك أنت حتّى تستخلف عليهم غيرك؟! فقد تقلّد الظلم في حياته وبعد وفاته.
ثمّ انّ قوله: أتخوّفوني بالله، اما هو دليل على الاستهانة بملاقاة الله تعالى، أو يزعم انّه زكيّ عند الله برئ من كلّ زلّة وهفوة، وهذا مخالفة لقوله تعالى، فإنّه قال: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتّقى}[٣] ثمّ انّه لم يكتف بذلك حتّى شهد لعمر انّه خير القوم، وهذا ممّا لا يصل إليه مثله ولا يعرفه.
ثمّ انّه ختم ذلك بالطامة الكبرى انّه أمر وقت وفاته بالدفن مع رسول الله
[١] وفي ذلك يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته الشقشقية: فيا عجباً بينا هو يستقيلها في حياته إذ عَقَدَها لآخر بعد وفاته ـ لشدّ ما تشطّرا ضرعيها ـ فصيّرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها، ويخشن مسّها، ويكثر العثار فيها، والاعتذار منها....
[٢] راجع الملل والنحل ١: ٢٥; تاريخ الطبري ٢: ٣٥٥.
[٣] النجم: ٣٢.