إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ٢٢١
لو حملته كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي من بين جازع لا يملك جزعه، ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به حتّى قد أذهب الجزع صبره، وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معزى يأمر بالصبر، وبين مساعد على البكاء جازعين لجزعي[١].
فحملت نفسي على الصبر بعد وفاته، ولزمت[٢] الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه وتغسيله وتحنيطه وتكفينه، والصلاة عليه، ووضعه في حفرته، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه، لا يشغلني عن ذلك بادر دمعة، ولا هائج زفرة، ولا لاذع حرقة، ولا جليل مصيبة حتّى أدّيت في ذلك الحقّ الواجب لله عزوجل عليّ لرسوله صلّى الله عليه وآله، وبلغت فيه الذي أمرني به، فاحتملته صابراً محتسباً، ثمّ التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
أمّا الثانية يا أخا اليهود، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله أمّرني في حياته على جميع اُمّته، وأخذ على جميع من أحضره منهم البيعة لي بالسمع والطاعة، وأمرهم أن يبلغ الشاهد منهم الغائب في ذلك، فكنت المؤدّي إليهم عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أمره إذا حضرته، والأمير على من حضرني منهم إذا فارقته، لا يختلج في نفسي منازعة أحد من الخلق لي في شيء من الأمر في حياة النبي صلّى الله عليه وآله ولا بعد وفاته.
ثمّ أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله بتوجيه الجيش الذي وجهه مع اُسامة بن زيد عندما أحدث الله به من المرض الذي توفّاه فيه، فلم يدع النبي صلّى الله
[١] في "ج": باك لبكائهم جازع لجزعهم.
[٢] في "ج": بلزوم.