إرشاد القلوب - الديلمي، حسن بن محمد - الصفحة ١٩٥
قالت: يا رسول الله ولم لا تخبرني به الآن لأتقدّم بالعمل به والأخذ بما فيه الصلاح؟ قال: ساُخبرك به فاحفظيه إلى أن اُؤمر بالقيام به في الناس جميعاً، فإنّك إن حفظتيه حفظك الله في العاجلة والآجلة جميعاً، وكانت لك الفضيلة بسبقه والمسارعة إلى الايمان بالله ورسوله، وإن أضعتيه وتركت رعاية ما ألقي إليك منه كفرت بربّك، وحبط أجرك، وبرئت منكِ ذمّة الله وذمّة رسوله، وكنتِ من الخاسرين، ولم يضرّ الله ذلك ولا رسوله.
فضمنت له حفظه والايمان به ورعايته، فقال: إنّ الله تعالى أخبرني انّ عمري قد انقضى، وأمرني أن أنصب علياً للناس علماً، وأجعله فيهم إماماً، وأستخلفه كما استخلف الأنبياء من قبلي أوصياءها، وأنا صائر إلى أمر ربّي وآخذ فيه بأمره، فليكن هذا الأمر منك تحت سويداء قلبك إلى أن يأذن الله بالقيام به، فضمنت له ذلك، وقد اطلع الله نبيّه على ما يكون منها فيه ومن صاحبتها حفصة وأبويهما، فلم تلبث أن أخبرت حفصة، وأخبرت كلّ واحدة منهما أباها.
فاجتمعا فأرسلا إلى جماعة الطلقاء والمنافقين فخبراهم بالأمر، فأقبل بعضهم على بعض وقالوا: انّ محمّداً يريد أن يجعل هذا الأمر في أهل بيته كسنّة كسرى وقيصر إلى آخر الدهر، ولا والله ما لكم في الحياة من حظّ إن أفضى هذا الأمر إلى عليّ بن أبي طالب، وانّ محمداً عاملكم على ظاهركم وانّ علياً يعاملكم على ما يجد في نفسه منكم، فأحسنوا النظر لأنفسكم في ذلك وقدّموا رأيكم فيه.
ودار الكلام فيما بينهم وأعادوا الخطاب وأحالوا الرأي، فاتّفقوا على أن ينفروا بالنبي صلّى الله عليه وآله ناقته على عقبة هرشى[١]، وقد كانوا صنعوا مثل ذلك في غزاة تبوك فصرف الله الشرّ عن نبيّه صلّى الله عليه وآله، واجتمعوا في أمر
[١] في "ج": الهريش، وهو ـ بالفتح ثمّ السكون والقصر ـ: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة ترى من البحر، ولها طريقان فكل من سلك واحداً منها أفضى به إلى موضع واحد.