نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٠٧ - ٦٩ شغف المتوكل بالعود الهندي
فلما دخلت، كلّمني بالعربيّة، بلسان طلق ذلق، و قال: كيف أنت من قشف [١] بلادنا؟ فشكرت إنعامه، و قرّظت بلاده، و ذكرت له أنّي في ريف [٢] من تفقّده، و برّه.
فباسطني، و طاولني [٣] ، و استطاب حديثي، و أفضت معه في فنون من الأمور، حتى تكامل انبساطه إليّ.
و تأمّلت أمره كله، فإذا رجل عراقيّ، متأدّب.
فسقاني من شراب بين يديه[٨٧]، أصفر، في قدح، في صينيّة، و قال: اشرب هذا، و قل لي، هل عندكم مثله؟ فقبّلت يده، و قبّلت القدح، و شربته، و قلت: هذا، في نهاية الطيب و الحسن و الجودة.
فقال: أصدقني، هل عندكم مثله؟ فوصفت له الشراب القطربّلي، و ذكرت منافعه، و فضائله، و طيبه، و زدت في الوصف، و بسطته، فرأيت في عينه، استبعادا لقولي.
فقلت له: إنّي كنت استصحبت منه شيئا في طريقي، و قد فضل منه فضلة، لا أرضاها لحضرة الملك، و لكن إن أمر بإحضارها، ليعتبر بها صحّة ما ذكرته له، أحضرتها.
فقال: افعل.
[١] القشف: ضيق العيش و رثاثة الهيأة و سوء الحال، و التقشف ضد التنعم.
[٢] الريف: السعة في العيش و المأكل و المشرب.
[٣] طاولني: وردت في النشوار، في أكثر من موضع، بمعنى باسطي و لاطفني، و لم أجدها في المعاجم بهذا المعنى، انظر القصة ١/١٣٥ من النشوار.