نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧٨ - ١٧٤ الخليفة المعتضد يتخبر على وزيره
فلما كان في اليوم الرابع، وقف على دابّته في باب العامّة، متحيّرا، لا يدري، ينتظر أن يخرج الوزير راكبا، فيركب معه في الموكب، فيتفقّد الوجوه، إذ كان لم يبق له شيء يجده، و إذا هو برجل شاب يحبو على ركبتيه زمانة، كما يكون الزّمن الذي يتصدّق، و قد جاء قبل طلوع الشمس بشيء كثير، فزحف، و دخل على البوّابين، فلم يمنعوه.
قال الرجل: فحين بلغ العتبة، وقف مع البوّابين، يحدّثهم ساعة، و أنا أصغي إليه، و يسألهم عن أخبارهم، و يدعو لهم، و هم على بشاشة، إلى أن أخذ بهم في غير ذلك الحديث[٢٤٣].
إلى أن قال: من بكّر اليوم إلى الدواوين، و من دخل؟و من حجب؟ فقالوا له: فلان و فلان.
فحين سمعت ذلك، علمت أنّه صاحب خبر [١] ، فأتبعته بصري، إلى أن جاز البوّابين، و دخلت وراءه، فبلغ إلى أصحاب الستور، فكانت صورته معهم كصورته مع أولئك، فأخبروه بما لم أكن أعلم، مع اختصاصي بخدمة الوزير، من وصول الناس إليه، و حجبهم عنه.
و تجاوز إلى دهليز العامّة، فنزلت عن دابّتي، و هو لا يفطن لي، فبلغ إلى موضع الحجّاب، فولع به الحجّاب، و لم يحدّثهم بشيء و لم يحدّثوه، و دعا لهم، و تصدّق منهم، فأعطوه.
[١] صاحب الخبر: شخص ينيط به الحاكم أن يرفع إليه جميع الأخبار التي يرى أن إيصالها إليه أمر تفرضه المصلحة، و يختلف مقامه باختلاف عمله، من الشخص البسيط المذكور في هذه القصة، إلى صاحب الخبر الذي يعينه الخليفة رقيبا على كبار الولاة في البلدان التي تحت حكمه، و يسمى صاحب البريد، و ليس لأحد من الولاة أو العمال أو القادة على صاحب البريد حكم و لا سلطة، و رسائله تصل إلى الحضرة بأعجل السبل، و ليس لأحد أن يفتحها أو أن يؤخرها أو أن يتعرض لها، بكل وسيلة، و للبريد في الحضرة ديوان خاص، يليه الثقة المؤتمن، يجمع صاحبه جميع الاخبار التي ترد من الأطراف و يطالع بها فور وصولها.