نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١١١ - ٦٩ شغف المتوكل بالعود الهندي
إعجاب الخليفة، بالعود الهنديّ، و أشرت عليه بالاستكثار منه، و قلت:
هو أحبّ إليه من جميع ما تهديه إليه، من غيره.
فأنفذ منه شيئا عظيما، هائلا، كثيرا، و فيه من[٩٢]الطرائف ما لم يسمع بمثله.
و أنفذ معه من الجواهر، و اليواقيت، و التوتيا، و طرائف بلاده، ما يكون قيمته مالا جليلا، و أضعاف ما حملناه إليه.
فلما أردت توديعه، قال: اصبر، ثم دعا بصندوق، ففتحه، و أخرج منه مفتاح ذهب، و أخرج منه قطع عود هندي لطافا، فأعطانيها، و قد كان قد [١] ما أعطانيه نصف رطل، و دعا بدرج، و جعله فيه، و قفله، و سلّمه و مفتاحه إليّ، و قال: هذا خاصّة، توصله من يدك إلى يده.
قال: فأنكرت ذلك في نفسي، و قلت: أبت الهندية فيه إلاّ الحمق.
قال: فبان له التنكّر في وجهي. فقال: أظنّك احتقرته؟فقلت:
و ما هذا حتى توصيني فيه بمثل هذا.
فقلت: الملك يقول.
فقال: يا غلام، هات مجمرة، و نارا.
فأتى بهما، و دعا بمنديل لطيف للكمّ [٢] ، فأتى به، و أخرج من ذلك العود شظيّة، مقدار أقلّ من نصف دانق فضّة [٣] ، فطرحها في النار، و بخّر بها المنديل، ثم قال: شمّ.
[١] قد: عامية بغدادية لم تزل مستعملة و تعني: قدر، أو: مقدار.
[٢] الكم، بضم الكاف، و جمعه أكمام: مدخل اليد و مخرجها من الثوب، و قوله: منديل الكم يعني به المناديل التي كانت توضع في الكم، و تستعمل في مسح الوجه و اليد، و يقتضي مكان هذا المنديل أن يكون لطيفا لكي لا يضيق به الكم.
[٣] الدانق: سدس الدرهم.