نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٩٧ - ١٢٧ آلى على نفسه أن لا يأكل لحم فيل أبدا
آخره، فإذا لم يبق منه موضع إلاّ شمّه، شال إحدى قوائمه، فوضعها على الرجل، حتى يفسّخه، فإذا علم أنّه قد تلف، شال قائمته، و قصد الآخر، ففعل به، مثل فعله بالأوّل.
و ظلّ على هذا، إلى أن لم يبق غيري، و أنا جالس منتصب، أشاهد ما يجري، و أدعو، و أستغفر، ما طرحت نفسي، و لا هربت، إلى أن قصدني، فحين قرب مني، طرحت نفسي على ظهري، فجاء حتى تشمّمني من سائر أعضائي، أو أكثرها، كما فعل بأصحابي، ثم أعاد تشمّمي مرتين، أو ثلاثا، و لم يكن فعل ذلك بهم، ثم لفّ خرطومه عليّ، و شالني في الهواء، فقلت: هذه قتلة أخرى، يريد أن يقتلني بها، فما نحّى خرطومه عنّي، حتى جعلني فوق ظهره، فانتصبت جالسا، و حفظت[١٦٦]نفسي، و حمدت اللّه سبحانه على تأخّر القتل، و جعلت أعجب مرّة، و أتوقّع القتل أخرى، و الفيل يهرول، و يسرع، إلى أن أضاء الفجر، فوقف، و أصعد خرطومه إليّ، فقلت: حضر الأجل، فلفّه عليّ، و أنزلني على رفق إلى الأرض، و تركني عليها، و جعل يسعى في الطريق التي جاء منها، و أنا لا أصدّق.
فلما بعد عني، حتى لم أره، أقبلت أدعو و أصلّي، و تأمّلت موضعي، و إذا أنا على محجّة، فمشيت عليها نحو فرسخين، فإذا بلد عظيم، قد لاح لي، فقصدته، و دخلته، فإذا هو بلد من بلدان الهند عظيم، و ذكر اسمه.
قال: فعجب أهله منّي، و سألوني عن قصّتي، فأخبرتهم بها، فزعموا أنّ الفيل، قد سار في هذه اللّيلة الواحدة، مسيرة أيّام.
و تسبّبت إلى الخروج من عندهم، و النقلة من بلد إلى بلد، حتى حصلت في بلدي سالما.