نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٦٨ - ٤٨ ابن أبي دؤاد و كرمه و علوّ همته
الموضع، و دعاه، و استسقاه، فكسر الشارب [١] شفة كوز [٢] كان معه، و ملأه و دفعه إليه.
فقال له ابن أبي دؤاد: لم فعلت ذلك؟ فقال: قد شرب في هذا الموضع قبلك من لم أرض لك، أن تجعل شفتك في موضع شفته، فكسرت الموضع[٥٥]من الكوز لتشرب من موضع، ما وقعت عليه شفة غير شفتك.
قال: فشرب الماء ثم دفع إليه السبعة دراهم، التي لم يكن يملك غيرها [٣] .
[١] الشارب: اصطلاح بغدادي يراد به الساقي أو حامل الإبريق، قال أبو حيان التوحيدي في البصائر و الذخائر م ٢/٢ ص ٦٦٦: و قد تعجب العلماء من قول الناس ببغداد للذي يريد ان يسقي الناس، و يحمل الماء، شارب، و قالوا: هو ساق، فلم قيل: شارب، و لم يظهر خفي هذا إلى الساعة. أقول: ليس في الموضوع خفاء، فإن الساقي البغدادي ينادي على الماء بقوله: شارب، فسمي بالاسم الذي ينادي به على بضاعته، كما سمي (أبو البيع) لأنه ينادي بكلمة: بيع، مع أنه مشتر لا بائع.
[٢] الكوز: إناء من الفخار، شائع الاستعمال في بغداد، يشبه الإبريق إلا انه من دون البلبلة أي القناة الصغيرة التي يصب منها الماء، و تسميه العامة: تنكه-بالكاف الفارسية، و الفخار الذي يجهز لتصفية الماء و شربه ببغداد على أشكال مختلفة، فالزير و يسمونه الحب، و هي فصيحة، يصب فيه الماء الكدر، حيث يقطر الماء الصافي من أسفله إلى إناء من الفخار يسمى بواكه، بالكاف الفارسية، و يصب الماء من البواكه إلى الجرة ليبرد، و منها إلى الكوز حيث يكون معدا للشرب، فإما أن يشرب من الكوز أو أن يصب في كأس يسمى شربة أو حبانه، يختلف اسمه باختلاف شكله، أقول إن هذا جميعه كان شائعا لدى جميع الناس قبل شيوع الكهرباء و الثلاجات، أما الآن فقد كاد استعمال الكوز الفخار أن ينقرض.
[٣] قال أبو العيناء: تذاكروا السخاء، فاتفقوا على آل المهلب في الدولة المروانية، و على البرامكة في الدولة العباسية، ثم اتفقوا على أن أحمد بن أبي دؤاد أسخى منهم جميعا و أفضل.