نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١١٢ - ٦٩ شغف المتوكل بالعود الهندي
فشممت شيئا، لم أدر ما[٩٣]هو، لا يشبه الندّ، و لا العود، و لا شيئا طيّبا نتبخّر به، ما شممت مثله قط.
فقلت: يحقّ لهذا أن يوصيني به الملك بما وصّى.
فقال: اصبر، حتى أريك منه أعجب ممّا رأيت.
و دعى بطشت و ماء، فأحضرهما، و أمر بغسل المنديل بالصابون، فغسل بين يديه، ثم أمر بأن يجفف في الشمس، و يحضر.
قال: ففعل.
ثم قال: شمّه.
فشممت الرائحة بعينها، لم تتغيّر، و لا نقصت.
فأعاد الغسل بالصابون، و التجفيف، دفعات تقارب العشرة، إلى أن انقطعت الرائحة في الأخيرة.
فهالني ذلك.
فقال: اعرف الآن قدر ما معك، و اعلم أنّه ليس في خزائن ملوك الهند كلّها، من هذا، رطل واحد، غير ما أعطيتك، و عرّف صاحبك فضيلته.
قال: فودعته، و انصرفت.
و رزق اللّه السلامة، و دخلت على المتوكّل، فسرّ بقدومي، و أكرمني، و سلّمت إليه الهدايا، فحسن موقعها منه، و أعدت عليه أكثر حديثي مع الملك، إلى أن بلغت خبر النصف رطل عود، و أخرجته، فسلّمته إليه، و لم أشرح[٩٤]له خبر الخرقة. فاستحمق الرجل، كما استحمقته، فقصصت عليه الشرح، و أخرجت المجمرة، و النار، و خرقة، و فعلت كما فعل الملك، فهاله ذلك، أمرا عظيما، و سرّ به سرورا شديدا، و قال: هذا النصف رطل بسفرتك.