نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٩٦ - ١٢٧ آلى على نفسه أن لا يأكل لحم فيل أبدا
فقالوا: ما هذا الهزل في مثل هذا الموضع؟ فقلت: و اللّه، ما تعمّدت الهزل، و لكني منذ بدأتم، أعرض على نفسي شيئا، أدعه للّه عزّ و جلّ، فلا تطاوعني نفسي، إلى غير هذا الذي لفظت به، و ما قلت إلا ما اعتقدته.
فقالوا: لعلّ لهذا أمرا.
و تفرّقنا بعد ساعة، نطوف تلك الأرض، نطلب شيئا للأكل، فوقعنا على فرخ فيل، في نهاية السمن، فأخذه أصحابنا، و احتالوا فيه، حتى ذبحوه، و شووه.
و قالوا: تقدّم، فكل.
فقلت: منذ ساعة، تركته للّه عزّ و جلّ، و لعلّ ذلك الذي جرى على لساني من ذكره، إنّما هو سبب موتي، لأنّي لم آكل منذ أيّام شيئا، و لا أطمع في شيء آخر آكله، و ما يراني اللّه انقض عهده، فكلوا، و اعتزلتهم.
فأكلوا، و شبعوا، و عاشوا [١] ، و أقبل الليل، فتفرّقوا في مواضعهم التي كانوا يبيتون فيها، و أويت إلى أصل شجرة، كنت أبيت عندها.
فلم يكن إلاّ ساعة، و إذا بفيل، أقبل من الموضع الذي استخرجنا منه الفرخ[١٦٥]، و هو ينعر، و الصحراء قد امتلأت بنعيره، و شدّة وطأته، و هو يطلبنا.
فقال بعضنا لبعض: قد حضر الأجل، فاستسلموا، و طرحوا أنفسهم إلى الأرض، على وجوههم.
فجاء الفيل، و جعل يقصد واحدا واحدا، فيشمّه من أوّل جسده، إلى
[١] كناية بغدادية بمعنى: تمتعوا و انتعشت نفوسهم.