نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢١٩ - ١٤١ كيف كان الأبزاعجي صاحب شرطة بغداد يحقّق مع المتّهمين
فسكتت، و أخذت تبكي، ثم تركتها ساعة، و قلت لها: دعيي أفعل بك و إلاّ غرّقت الأخرى.
فقالت: و اللّه، لا فعلت.
فأخذت الصّبية الأخرى، فرميت بها في الماء، فصاحت، و صحت معها، ثم قلت لها: ما بقي الآن إلا قتلك، فدعيني، و إلاّ قتلتك، و أخذت بيدها، و شلتها لأرمي بها إلى الماء.
فقالت: أدعك.
فرددتها إلى السماريّة، فمكّنتني من نفسها، فوطئتها.
و سرت، لأمضي بها إلى المشرعة، فقلت في نفسي: هذه الساعة تصعد إلى دارها، أو إلى الموضع الذي تأوي إليه، فتنذر بي، فأؤخذ، و أقتل، و ليس الوجه إلاّ تغريقها، فجمعت يديها، و رجليها، و رميت بها إلى الماء.
فحين غرقت، فكّرت فيما ارتكبته، و عظم ما جنيته، فندمت، و كنت كرجل كان سكرانا، فأفاق.
فقلت: أيّ شيء أعمل؟ليس إلاّ أن أنحدر إلى البصرة، و أغوص في أنهارها، فلا أعرف.
فانحدرت، فلما صرت حذاء الجسر، أخذتني بطني، و قلت: أصعد، و أتفسّح[١٨٤]، و أعود إلى سماريّتي.
فصعدت، فأنا جالس أتغوّط، فما أحسست حتى قبض هؤلاء عليّ.
قال: فقال له الأبزاعجي، مطايبا: يا هذا، أيّ معاملة بين مثلك و بيني، انصرف بسلام.
فظنّ لجهله، أنّ ذلك حقيقة، فولّى لينصرف.
فصاح به، و قال: يا فتى، هو ذا تنصرف، و تدعنا من حقّا [١] ؟فلا
[١] من حقا: عامية عراقية لم تزل مستعملة في الموصل، يعني: حقيقة، و ترد عند الاستفسار.