نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٧٦ - ١٢٠ الأمير سيف الدولة يصفح عن أحد أتباعه و يعيد إليه نعمته
بكبر الأيور، فينفقون أموالهم عليهم، و لا يصل الفقير و المتجمّل إليهم.
و لقد بلغني آنفا، و أنا بمصر، أنّ رجلا من الفقراء، اشتدّ عليه حكاكه، فطلب من يأتيه، فلم يقدر عليه، فخرج إلى الموضع الفلاني-قرية ذكرها، قريبة من مصر-فأقام بها[١٤٤]، فكان إذا اجتاز به المجتازون، استغوى منهم من يمتاز بهذا الحال، فحمله على نفسه، و كان يعيش بالمجتاز بعد المجتاز، و يتمكّن من إرضائه بما لا يمكن بمصر، فعاش بذلك برهة، حتى جاءه يوما بغّاء آخر، فسكن معه في الموضع، فكان إذا جاء الغلام الذي يصلح لهذه الحال، تنافسا عليه، فأفسد على الأوّل أمره، فجاء إلى الثاني، فقال له: بيني و بينك، شيخنا ابن الأعجميّ الكاتب، رئيس البغّاءين فجذبه إلى مصر، و احتكما إليه.
فقال: إنّي كنت لمّا اشتدّ بي أمري الذي تعرفه، و منعني فقري من اتّخاذ الناكة بمصر، عدلت إلى الموضع الفلانيّ، فعملت كذا، و قصّ عليه القصّة، فجاء هذا، و صنع، و قصّ عليه القصّة، و شرح له أمره، فإن رأيت أن تحكم بيني و بينه، فاحكم.
فحكم بينهما ابن الأعجميّ، و منع الثاني من المقام في الناحية، و قال:
ليس لك أن تفسد عليه عمله، و ناحيته، اطلب لنفسك موضعا آخر.
فيمكن الناظريّ-أيّد اللّه مولانا[١٤٥]الأمير سيف الدولة-أن يستشفي بثلاثة آلاف درهم، أمرت له بها، في بلد هذه عزّة الناكة فيه، و كثرة البغّاءين؟. هذا لو كان مقيما، فكيف و قد أنعمت عليه بالمسير، و يحتاج إلى بغال يركبها في الطريق بأجرة، و ديون عليه يقضيها، و مؤن.
قال: فضحك ضحكا شديدا، من حكاية البغّاءين، و حكم ابن الأعجميّ بينهما، و كان هذا من مشهوري كتّاب مصر، فقال: اجعلوها خمسة آلاف درهم.