نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٧٦ - ٥٤ الصوفي المتوكل و جام فالوذج حار
٥٤ الصوفي المتوكل و جام فالوذج حار
حدّثني محمد بن هلال [١] بن عبد اللّه، قال: حدّثنا القاضي أحمد بن سيّار، قال: حدّثني رجل من الصوفيّة، قال:
كنت أصحب شيخا من الصوفية، أنا و جماعة في سفر، فحدّثني حديث التوكّل، و الأرزاق، و ضعف النفس فيهما، و قوّتها.
فقال ذلك الشيخ: عليّ و عليّ، لا ذقت مأكولا، أو يبعث إليّ بجامة فالوذج حار، و لا آكل إلاّ بعد أن يحلف عليّ.
قال: و كنّا نمشي في الصحراء.
فقالت له الجماعة: الآخر [٢] جاهل.
و مشى و مشينا، و انتهينا إلى قرية، و مضى عليه يومان، و ليلتان، لم يطعم فيهن شيئا.
ففارقته الجماعة، غيري، فإنّه طرح نفسه في مسجد القرية، مستسلما للموت ضعفا، فأقمت عليه.
فلما كان في ليلة اليوم الرابع، و قد انتصف الليل، و كاد أن يتلف الشيخ، فإذا بباب المسجد قد فتح، و إذا جارية سوداء، و معها طبق مغطّى.
فلما رأتنا[٦١]، قالت: أنتم غرباء، أو من أهل القرية؟ فقلنا: غرباء.
[١] في الأصل: هليل، و قد لاحظت أن اسم هلال، قد كتب بالياء: هليل، في جميع المواضع التي ورد فيها من النشوار، و لعل ذلك لأن البغداديين في ذلك العهد، كانوا يلفظون الكلمة بالإمالة، و يكتبونها كما يلفظونها.
[٢] الآخر، و الأخير، و الأبعد، و البعيد: اصطلاح بغدادي يقوله المتحدث إذا أراد ذم شخص غائب، كي لا يواجه المخاطب بكلمات الذم، و في معجم الادباء ٥/٢٣٩ تفسير آخر.