نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٩٠ - ١٧٩ أبو خليفة يصطفي شعر عمران بن حطّان
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها # إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوما فأحسبه # أحظى البريّة عند اللّه ميزانا
فبكى عليهما، لمّا انتهيت إليهما، حتى كاد أن يغمى عليه، فاستطرفت ذلك، و عجبت منه.
فلما كان من الغد، اجتمعت مع المفجّع، فحدّثته بذلك، و اغتررت به، للأدب، و استكتمته إيّاه، فأشاعه، و عمل:
أبو خليفة مطويّ على دخن [١] # للهاشميّين في سرّ و إعلان
ما زلت أعرف ما يخفي و أنكره # حتى اصطفى شعر عمران بن حطان
و أنشدنيها لنفسه، و أنشدها غيري، فكتبها عنه بعض أهل الأدب، في رقعة لطيفة، و جعلها في مقلمته.
و حضرنا عند أبي خليفة في مجلس عام، فنفض الرجل[٢٥٥]مقلمته ليرى ما فيها، فسقطت الرقعة، و انصرف، فوجدها أبو خليفة، و قرأها، فاشتدّ ذلك عليه، و قال: إنّ الإيذجيّ، قبحه اللّه، و ترحه، شاط بدمي، عليّ بأبي العباس الساعة-يعني والدي-فجاءه، فحدّثه الحديث، فوقعت في ورطة، و كادت الحال أن تنفرج، بيني و بين أبي، و منعني أبو خليفة القراءة، و احتشمني [٢] ، فحملت إليه ثيابا لها قدر، و أهديت إليه من مآكل الهند [٣] ، و اعتذرت إليه، فرجع، و قبل عذري، و عاود تدريسي، و مكّنني من القراءة عليه، فقرأت كتاب الطبقات، و غيره، ممّا كان عنده.
[١] الدخن: الفساد.
[٢] في الأصل: احتشمت، و الاحتشام ضد الانبساط.
[٣] في الأصل: الجند.