نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٨٢ - ١٢١ سخاء الأمير سيف الدولة
قال: فلما استوفى الشيخ الكلام[١٥١]، بكى بكاء شديدا، و قال: أيّها الأمير قد و اللّه زدت على أملي بطبقات، و أوفيت على غناي بدرجات، و قضيت حقّي، و ما هو أعظم من حقّي، و ما أحسن أن أشكرك، و لكن اللّه يتولى عنّي شكرك، و مجازاتك، فتمنّ عليّ بتقبيل يدك، فإنّه أفضل من كلّ عطيّة.
فأذن له في ذلك، فدنا الشيخ، فقبّل يده دفعات، فجذبه إليه سيف الدولة، و شاوره [١] بشيء، فضحك الشيخ و قال: إي و اللّه، إي و اللّه، أيّها الأمير.
قال: فاستدعى خادم حرمه، و سارّه بشيء.
و انصرف الشيخ إلى الدار التي أخليت له، و قال له: أقم فيها، إلى أن أنظر في أمرك، و تخرج إلى عيالك.
قال: فسألت عما سارّه خادم حرمه، فقال: أخرج إليه جارية من و صائف أخته، في نهاية الحسن، بثياب، و زيّ، تزيد قيمتها على عشرة آلاف درهم. فحملت إليه.
قال: فقمت قائما، و قلت: و اللّه، أيّها الأمير، ما سمع بهذا الفعل، عن البرامكة و لا غيرها.
فقال: دعني من هذا، ما معنى[١٥٢]قولك لأبي إسحاق بن شهرام، لا تورد عليه هذا، عقيب اليأس، فتنشقّ مرارته؟ فقلت: كنت منذ ساعة، عند أبي محمد الصلحيّ، و أبي الحسن [٢] المغربيّ، فجرى كذا و كذا، و قصصت عليه القصّة، و انصرف هذا الشيخ، أخزى منصرف، ثم جاء بنفسه، فعامله مولانا، بمثل هذا الفعل العظيم، فخفت [أن]يعرّفه فجأة، فتنشق مرارته.
فقال: هاتم الساعة، الصلحيّ، و المغربيّ، فجاء أحدهما قبل الآخر،
[١] شاوره: تعبير بغدادي بمعنى ساره.
[٢] في الأصل: أبي القاسم.