نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٣٧ - ٩٣ القاضي ابن البهلول يوصي القاضي التنوخيّ لمّا نصبه للقضاء
فقال: اجلس، فقد أنسيت مهمّا.
فجلست، فقال: إنّك شاب، و فضلك تامّ، و عملك وافر، و إنّك سترد على قوم فيهم شرّ، و سيحسدونك على فضلك، أو يطلبون معايبك، إذا حكمت عليهم بالحقّ، فلا يجدون طريقا إلى الغضّ منك، إلاّ بنسبتك إلى الحداثة، و قلّة حنكتها، و لن تعدم منهم ذلك، فإن صدقت حقّقوا ما يريدون، و الكذب لا يجوز، فإيّاك أن تخبر بسنّك على حقيقتها، و لكن إذا سئلت عنها، فقل: دون الأربعين سنة، فلو كانت عشرين، أو أقلّ، لكنت صادقا، و في فزعك إلى الأربعين ستر عليك، لأنّها الأسدّ، و حدّ التكهّل و الحنكة، فإن بليت بمن يطوّل معك، فيقول: دون الأربعين بكم؟ فقل: لست أذكر، و انو أنّك لست تخبر، ليقطع الخطاب، و يقع للسائل، أنّك ناس حقيقة سنّك.
قال: فخرجت، و اتّفق أنّ شعرة واحدة، ابيضّت في لحيتي، في مسافة الطريق، فلمّا دخلت الأهواز، تعمّلت لإخراجها بالمشط، إلى حيث يلحقها النظر، تجمّلا بها[١١١].
و استقبلني محمد بن جعفر بن معدان الشاهد [١] ، و كان يخلف أبا جعفر، على الوقوف، و قد كاتبه بإعظامي، و تلقي، فجاءني بمركوب إلى الشطّ، و ركبته إلى دار اتّخذت لي، و كان يغشاني [٢] في كلّ يوم.
فلمّا أردت الخروج إلى عملي، قال لي: قد هالني ما رأيته من فضل القاضي أيّده اللّه، فكم سنوه؟ فذكرت، وصيّة أبي جعفر، فقلت: دون الأربعين سنة.
[١] ورد ذكره في القصة ٣/١ من النشوار.
[٢] يغشاني: يزورني.