نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٢ - ٣ القاضي أبو خازم يتأنى في أحكامه
وجه المحقّ من المبطل، و قد صارت لي بذلك دربة لا تكاد تخطئ، و قد وقع لي أنّ سماحة هذا بالإقرار، هي عن بليّة، و أمر يبعد عن الحقّ، و ليس في ملازمتهما بطلان حقّ، و لعله أن ينكشف لي من أمرهما شيء، أكون معه في الحكم على ثقة، أ ما رأيت قلّة تغاضبهما في المناظرة؟و قلّة اختلافهما؟و سكون جأشهما، مع عظم المال، و ما جرت عادة الأحداث بفرط التورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا، عجلا، بمثل هذا المال.
قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبي[٧]خازم، لبعض وجوه تجّار الكرخ، و مياسيرهم، فأذن له، فدخل، و سلّم عليه، و سبّب لكلامه، فأحسن، ثم قال:
قد بليت بابن لي حدث، يتلف مالي في القيان و البلاء، عند مقيّن [١]
يعرف بفلان، -و أسماه-فإذا منعته مالي، احتال بحيل تضطرّني إلى غرم له، و إن عذلته عن ذلك، و عدّدت حالي معه، طال، و أقربه اليوم، إنّه قد نصب المقيّن، ليطالبه بألف دينار عينا، و يجعل ذلك دينا حالا، و بلغني أنّه قد تقدّم إلى القاضي، فيطالبه، فيحبس، و أقع مع أمّه في بليّة و تنغيص عيش، إلى أن أؤدّي ذلك عنه إلى المقيّن، فإذا قبضه المقيّن، حاسبه به من الجذور [٢] .
و لما سمعت ذلك، بادرت إلى القاضي لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره اللّه تعالى عليه، فجئت، فوجدتهما على الباب.
فحين سمع أبو خازم ذلك، تبسّم، و قال لي: كيف رأيت؟
[١] المقين: الذي يجمع القيان في داره، و يجتمع الناس عنده لاستماع غنائهن، و يجتعل على ذلك، و القيان يدعون الآن بالارتيستات.
[٢] الجذر: أجر المغني.