نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٨٠ - ٥٦ تاجر يتمدّح بتجسسه على رسائل التجّار
فلما قربت من البستان، استقبلني فيج [١] ، معه كتب.
فقلت له: من أين وردت؟ فقال: من الرقّة [٢] .
فتتبّعت نفسي، أن أقف على كتبه، و أخبار الرقّة، و أسعارها.
فقلت له: تعرفني؟ فقال: نعم.
فقلت: أنت قريب من بستان لي، فتعال معي، حتى أهب لك دنانير، و أغيّر حالك، و أطعمك، و تستريح الليلة في[٦٤]البستان، و تدخل بغداد غدا.
فقال: نعم.
و مشى معي راجعا، حتى دخل البستان، فأمرت من فيه، أن يدخله حمّاما فيه، و يغيّر ثيابه ببعض ثياب غلماني، و يطعمه.
فابتدوا [٣] معه في ذلك.
و تقدّمت إلى غلام لي فاره، فسرق كتبه، و جاءني بها، ففتحتها، و قرأت جميع ما فيها، و عرفت من أسرار التجّار الذين يعاملوني شيئا كثيرا، و تفرّجت بذلك.
و وجدت جميع الكتب، محشوّة إلى التجار، بأن يتمسّكوا بما في أيديهم من الزيت، و لا يبيعوا منه شيئا، فإنّه قد غلا عندهم و عزّ، و يوصونهم بحفظ ما في أيديهم.
[١] الفيج: الساعي الذي يحمل الرسائل.
[٢] الرقة: على وجه التعميم، كل أرض ينبسط عليها الماء ثم ينحسر عنها، و جمعها رقاق (حاشية القصة ٢/٥٧ من النشوار) ، و على وجه التخصيص، هناك ستة مواضع بهذا الاسم، و المقصود في هذه القصة مدينة مشهورة على ضفة شرقي الفرات بالجزيرة في ديار مضر، و قد خربت (المشترك وضعا ٢٠٨) .
[٣] ابتدوا: عامية بغدادية، ما زالت مستعملة، بمعنى ابتدءوا.