نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ١٠٨ - ٦٩ شغف المتوكل بالعود الهندي
فقلت لغلامي: احمل كلما بقي عندنا من الشراب، فجاء الغلام بأدنّ [١]
يسيرة.
و قلت له: أن يحمل شيئا من التفاح الشاميّ.
فحمل ممّا كان في العسل، عدّة تفاحات، و مسحها من العسل، و كان في بعضه قد بقيت منه بقيّة صالحة.
فلمّا وضعت الدنان بين يديه، أمرت غلامي، ببزلها في قدح[٨٨]، و شربت منه أوّلا، ثم دفع إليه، فاستحسن ذلك.
ثم أخذ التفّاح، فلما رأى لونه، رأى شيئا غير ما عنده، و شمّه، فكاد أن يشهق استطابة، و شربه، و تقدح [٢] بشيء من التفّاح، و قد كنت كسرت واحدة، و أكلت نصفها في حال شربه، و تركت النصف الآخر بين يديه [٣] ، فتنقّل به، و مسح فاه.
ثم قال لي: ما ظننت أنّ في الدنيا مثل هذا الشراب، و لا مثل هذا
[١] الدن: أصغر من الحب، و يتخذ ليحفظ فيه الشراب، و جمعه دنان.
[٢] تقدح: هنا بمعنى تنقل، أي أكل النقل، و هو ما يؤكل مع الشراب، و يسمى في بغداد: المزة، إشارة إلى طعمها المز، أي الذي يضرب إلى الحموضة، و قد أورد صاحب مطالع البدور ١/١٤١ أسماء أنواع كثيرة من النقل، كالسفرجل، و الرمان المز، و التفاح، و الكمثرى، و الزعرور، و الفستق، و اللوز، و البغداديون اليوم، يتنقلون على العرق، و هو المقطر من التمر و العنب، بالباقلاء المسلوقة، و اللبن الرائب و يسمونه: الروبة، و الحمص المسلوق، و يسمونه: لبلبي، و الخيار، و كان القدماء يرون أن ترك التنقل أولى (مطالع البدور ١/١٤١) ، و كذلك البغداديون الآن، و هم يطلقون على من يجيد الشرب، كلمة:
شراب، على وزن فعال، و يقولون: الشراب مزته جمع (بكسر الجيم و الميم) ، يعني أنه بعد أن يشرب كأسه، يمسح شفتيه بقبضة يده مجموعة، و يكتفي بذلك نقلا.
[٣] يلاحظ أن آيين المنادمة يفرض على النديم أن يقبل يد الملك أولا ثم يقبل القدح ثانيا و يشرب، و إذا قدم للملك شرابا أو مأكلا، فإن عليه أن يتناول منه قبل الملك.