محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٩٧ - متطبّب داؤه الهوى
فقال: أحسنت. قال المتنبّي:
و بين الرّضا و السخط و القرب و النّوى # مجال لدمع العاشق المترقرق
و هذا اختصار قول الآخر:
و ما في الدّهر أشقى من محبّ # و لو وجد الهوى حلو المذاق
تراه باكيا في كلّ حين # مخافة فرقة أو لاشتياق
فيبكي إن نأوا شوقا إليهم # و يبكي إن دنوا خوف الفراق
فتسخن عينه عند التّنائي # و تسخن عينه عند التلاقي
و قال بعض الكتاب: تفكّري في مرارة البين يمنعني التمتع بحلاوة الوصل، و تكره عيني أن تقرّ بقربك مخافة أن تسخن ببعدك، فلي عند الاجتماع كبد ترجف، و عند التلاقي مقلة تكفّ.
إظهار الشوق في حال الوصل
قال شاعر:
قالوا ظفرت بمن تهوى فقلت لهم # الآن أشرف ما كانت صباباتي [١]
لا عذر للصبّ أن تهدى جوارحه # فقد تطعم فوه بالمواتاة
متطبّب داؤه الهوى
أنشد لعروة بن حزام:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمة # و عرّاف نجد إن هما شفياني [٢]
فما تركا لي رقية يعرفانها # و لا سقية إلا و قد سقياني
فقالا شفاك اللّه و اللّه ما لنا # بما ضمنت منك الضّلوع يدان
قال ديك الجن:
جسّ الطبيب يدي جهلا فقلت له: # إنّ المحبّة في قلبي فخلّ يدي
و قال آخر:
و قالوا به من أعين الجنّ نظرة # و لو صدقوا قالوا به نظرة الأنس
و قال آخر:
قال الطبيب لأهلي حين أبصرني # هذا فتاكم و حقّ اللّه مسحور
فقلت ويحك قد قاربت في صفتي # وجه الصواب فهلاّ قلت مهجور
[١] الصبابات: جمع صبابة و هي لوعة الحب و شدّة الحنين و الشوق إلى المحبوب.
.
[٢] العرّاف: المنجم-اليمامة و نجد: من أقاليم جزيرة العرب.