محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٧ - المسرّة بفراق من لا تحبّه
على اختلاف.
و قيل لئن أبتلى بمائة جموح لجوج أحبّ إليّ من أن ابتلى بمتلوّن.
قال إبراهيم بن العباس:
يا أخا لم أر في الناس خلا # مثله أسرع هجرا و وصلا
كنت لي في صدر يومي صديقا # فعلى عهدك أمسيت أم لا؟
و قال بعضهم لمغنية:
مرحبا ثم مرحبا # بحبيب تغضّبا
فأجابته:
أنت كالريح لا تدو # م جنوبا و لا صبا [١]
عتب من ترعاه و هو يجفوك
و أعجب من جفائك لي و صبري # على طول ارتفاعك و انخفاضي
سروري أن تدوم لك الليالي # بما تهوى كأنّي عنك راضي
الحثّ على مصارمة من تبغضه
قال رجل لآخر: لي أخ إذا كلّمته آذاني و أثمت، و إذا كرهته أراحني و سلمت فأنشده:
و في البعد مسلاة و في الصّرم راحة # و في النّاس أبدال سواه كثير [٢]
و قال آخر:
ودّ ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق
المسرّة بفراق من لا تحبّه
قال منصور الفقيه:
و مستوجب شكري بإعراضه عنّي # أجلّ يد عندي له بعده عنّي
تلافى بهجري بعض ما كان جرّه # عليّ بوصلي قبل إعراضه عنّي [٣]
و اعتذر رجل إلى آخر بتأخّره عنه فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه سوى هذا. و قال إسحاق الموصلي: ذكرت للعبّاس العلوي رجلا فقال: دعني أتذوّق طعم فراقه فهو و اللّه لا تشجى له النفس و لا يدمى لفراقه الجفن. قال شاعر:
كلانا غنيّ عن أخيه حياته # و نحن إذا متنا أشدّ تغانيا
[١] الصبا: ريح مهبّها جهة الشرق.
[٢] الصرم: الهجر و القطيعة.
[٣] بوصلي: وصله ضدّ هجره-إعراضه: أعرض عنه: تجنبه و ابتعد عنه.