محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٠٩ - الندم على الإصغاء إلى العذّال
و لمّا قال سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غمّا # و فاز باللذة الجسور [١]
قال بشار: ذهب و اللّه بيتي فهو أخف منه و أعذب لا أكلت اليوم و لا شربت، و لما ولي يزيد بن عبد الملك بن مروان الخلافة أراد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز فشق على حبابة فأرسلت إلى الأحوص و قالت أنشده:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدا
فلما بلغ:
هل العيش إلا ما تلذ و تشتهي # و إن لام فيه ذو الشّنار و فنّدا [٢]
قام يزيد و هو يقول: هل العيش (البيت) حتى دخل على حبابة.
من تشكك رقيبه في غير محبوبه
قال العباس بن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الظّنون بنا # و فرّق الكلّ فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالظنّ غيركم # و صادق ليس يدري أنّه صدقا
و قال آخر:
قوم رموا غير من أهوى بظنّهم # و آخرون أصابوه و ما شعروا
المسرة بغيبة الرقيب و التمكّن من الحبيب
غاب الأمير أدام اللّه نعمته # و غاب همّ كفاني اللّه هيبته
غابا و قد غادرا لصّ الهوى فرحا # بنيل ما كان يشكو منه خيبته
لمّا تمكنت من بزّ لأسرقه # هربت خوفا و ما حركت عيبته [٣]
الندم على الإصغاء إلى العذّال
تكنفني الوشاة فأزعجوها # فيا للّه للواشي المطاع
فأصبحت الغداة ألوم نفسي # على شيء و ليس بمستطاع
كمغبون يعضّ على يديه # تبيّن غبنه بعد البياع [٤]
قال تاج الكتاب:
و إنّي غداة سكوني إلى # مقال الرقيب و هجر السكن
كمن شرب السمّ جهلا به # و لم يدر ما فعله في البدن
[١] الجسور: ذو الجراءة.
[٢] الشنار: العار-فنّد: الفند: الكذب.
[٣] البزّ: الثياب، أو السلاح.
[٤] عض على يديه: ندم. الغبن: الخسارة في البيع.