محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٥١ - الفجيعة بولد صغير
قال عبد الصمد بن المعدل:
لو كان يبكي كتاب اللّه من أحد # لطول إلف بكتك الآي و السور
المختصّ بمرثية الأبوين
قيل: موت الأبوين سد بابين من أبواب الجنة. قال قتيبة بن مسلم لما ماتت أمه لأبي مجلز: لقد سدّ دوني باب من أبواب الجنة قال: نعم و باب من أبواب النار لأنك ما كنت تأمن أن تعقها.
قال كشاجم:
أبعد مصاب الأمّ آلف مضجعا # و آوي إلى خفض من العيش أو ظلّ
سترضع عيني قبرها من دموعها # بما كلفته من رضاعي و من حملي [١]
رثيت لنصل يأخذ الموت جفنه # و أعجب من فرع ينوح على أصل
و بكت صبية أباها، فقالت: وا أبتاه تركتنا كالبهم ليس لنا رعاة، وا أبتاه تركتنا كالزرع ليس له مسقاة.
الفجيعة بولد صغير
قال أحمد بن أبي طاهر:
بدر ليل بدر النقـ # ص له قبل تمامه
كان نورا من رياض # فذوى قبل ابتسامه [٢]
و قال أعرابي:
يا غائبا ما يئوب من سفره # عاجله موته على صغره
شربت كأسا أبوك شاربها # لا بدّ منها و لو على كبره
و قال المتنبي:
فإن تك في قبر فإنّك في الحشا # و إن تك طفلا فالأسى ليس بالطّفل [٣]
و مثلك لا يبكى على قدر سنّه # و لكن على قدر المحيلة و الأصل
بنفسي وليد عاد من بطن أمه # إلى بطن أم لا تطرق بالحمل
و قد مدّت الخيل العتاق عيونها # إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل [٤]
[١] كلفته: تحملته و شقيت به.
[٢] النّور: الزهر-قبل ابتسامه: قبل تفتح أكمامه.
[٣] أي إن تكن قد دفنت في القبر فإنك مصوّر في القلب، و إن تكن طفلا صغيرا فالحزن عليك ليس بصغير.
[٤] العتاق: الكرام-الركاب: ما توضع فيه الرجل من السرج.