محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦ - *تفضيل الصديق على النسيب
و قد أحسن الذي قال: إن الأخ الصالح خير لك من نفسك لأن النفس أمارة بالسوء و الأخ لا يأمرك إلا بالخير.
*الحثّ على الإكثار منهم
قال محمود الوراق:
تكثّر من الإخوان ما استطعت إنهم # عماد إذا استنجدتهم و ظهور [١]
فما بكثير ألف خلّ و صاحب # و إنّ عدوّا واحدا لكثير
*تفضيل الصديق على النسيب
قيل لعبد اللّه ابن المقفع [٢] : أ صديقك أحب إليك أم نسيبك؟فقال: إنما أحب النسيب إذا كان صديقا. و قال: الأخ نسيب الجسم و الصديق نسيب الروح. قال أبو فراس:
نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه # و جارك من صافيته لا المصاقب [٣]
و قال آخر:
أخو ثقة يسير بحسن حال # و إن لم تدنه منّي قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب # تبيت صدورهم لي مسترابه [٤]
قال بعضهم: الصديق الموافق خير من الشقيق المنافق.
قال بشّار [٥] :
يخونك ذو القربى مرارا و ربّما # و فى لك عند الجهل من لا تقاربه [٦]
و في المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمّك.
[١] يدعو الشاعر إلى الإكثار من اتخاذ الأخوان و اكتسابهم و ادّخارهم للاعتماد عليهم في النوائب.
[٢] عبد اللّه بن المقفع: هو أحد كبار الكتّاب في أوائل العصر العبّاسي. و هو فارسي الأصل نشأ في العصر الأموي و تتلمذ لعبد الحميد الكاتب، ثم برز في أيام المنصور و يقال بأنّه قتل بإيعاز منه، قتله و الي البصرة. عني بترجمة العديد من الكتب نقلا عن الفارسية و من آثاره كتاب كليلة و دمنة و الأدبان الصغير و الكبير و رسالة الصحابة مات سنة (٧٥٩ م) .
[٣] النسيب: القريب-الودّ: المحبّة-صافيته: أخلصت له الودّ-المصاقب: الموافق من صاقبه مصاقبة أي قاربه.
[٤] مسترابة: اسم مفعول من استراب أي وقع في الريبة، و الريبة القلق و اضطراب النفس و الشكّ.
[٥] بشّار: بشار بن برد (٧١٤-٧٨٤ م) شاعر هجاء من الكبار فارسيّ الأصل، عاش بالبصرة. أكثر من التشبيب بالنساء. هجا المهدي فسخط عليه. و رآه مرة سكران يؤذّن فرماه بالزندقة و ضربه سبعين سوطا حتّى مات. كان أعمى غليظ المنظر.
[٦] من لا تقاربه: من لا تناسبه، يقول: قد يخونك قريبك مرارا و يقابلك بالوفاء من هو بعيد عنك.