محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤٠ - شكاية من تأخّر عنك
و قال آخر:
عليك باغباب الزّيارة إنّها # تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائما # و يسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
شكوى من خفف الزيارة
قال كشاجم:
بأبي و أمّي زائر متقنّع # لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه
لم أستتمّ عناقه لقدومه # حتى ابتدأت عناقه لوداعه
فمضى و أبقى في فؤادي حسرة # تركته موقوفا على أوجاعه
و قال آخر:
و زائر زار و ما زارا # كأنّه مقتبس نارا
ألمّ بالباب أخا نجوة # ما ضرّه لو دخل الدارا
نفسي فدا لك من زائر # ما حلّ حتّى قيل قد سارا
و قال ابن أبي البغل:
حبيب إذا ما زارنا قلّ لبثه # و إن هو عنّا غاب طال جفاؤه
و في عذر تخفيف الزيارة قال أبو العيناء: سلام معظّم، و جلوس مخفّف و انصراف متأسف.
شكاية من تأخّر عنك
حاذرت إذ واصلت إملالنا # فخف إذا ما غبت أن نسلو
و قال إسحاق: كنت أزور العبّاس بن الحسن فتأخرت عنه مدة مديدة فقال لي أذقتنا نفسك فلما استعذبناك لفظتنا.
و كان بعضهم يختلف إلى الأعشى فتأخّر عنه أياما فلقيه، فأنشده:
و لجّ بك الهجران حتّى كأنّما # ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
قال العبّاس بن الأحنف:
من ساءل بدر الدجا # ما باله ترك الطلوعا
و قال ابن الرومي [١] :
يعتلّ بالشغل عنّا ما يزاورنا # و الشغل للقلب ليس الشغل للبدن [٢]
[١] ابن الرومي: عليّ بن العبّاس (٨٣٦-٨٩٦) شاعر بغداديّ من أعظم الشعراء في الدولة العباسية. ولد في بغداد من أب رومي و أمّ فارسية. أثر تراثه اليوناني في شعره. كان ضيق الأخلاق متشائما متطيرا، و قد أكثر من التغنّي بالطبيعة.
[٢] يقول: إن المحبوب يتذرّع بالانشغال حتى لا يزورنا، و الانشغال في نظر الشاعر هو للقلب و ليس للبدن.