محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٥٢ - (٤) حكايات عن البهائم
تصاحب ثعلبان فلقيا أسدا فقال أحدهما للآخر: ما الحيلة؟فقال: عليّ الحيلة. فقال الأسد: ما الخبر؟فقالا: إنا ورثنا أغناما من أبينا و نريد أن نقسمها بيننا. قال: أين هي؟ قالا: قريب. فتبعهما حتّى أتيا إلى مجرى ماء يخرج من بستان، فقال أحدهما للآخر:
أدخل فأخرج الأغنام. فدخل فأبطأ فقال أخوه: أنظر إلى بطنه حتى أدخل أخرجه من الغنم. فدخل و جلس الأسد ينتظر فصعدا إلى السطح فقالا: اذهب فقد اصطلحنا. فغضب الأسد و زأر فقالا: لا تكن باردا فما رأينا من يغضب من صلح الخصمين غيرك.
اشتكى الأسد فعاده السباع كلها إلا الثعلب. فقال الذئب: أنظر إلى الثعلب كيف استخف بك؟فلم يأتك. و تطاير الخبر إلى الثعلب فأتاه، فقال له الأسد: يا ابن الفاعلة تأخرت عن الخدمة. فقال: إني مذ بلغني مرضك كنت في طلب دواء لك حتّى وجدته.
قال: و ما هو؟قال: لا يصلح إلا مرارة الذئب فقال و أنّى لي بذلك؟فقال أنا آتيك به، فإذا أتاك فاقتله و تنال مرارته. فأتاه به فقفز إليه الأسد فأفلت وعدا بدمه فتبعه الثعلب. فقال: يا صاحب السراويل الأحمر، إذا جلست عند الملوك فاعقل كيف تتكلم؟و قيل للثعلب:
أ تحمل كتابا إلى الكلب و تأخذ مائة دينار؟فقال: أما الكراء [١] فواف، و لكن الخطر عظيم.
و وقع ثعلبان في شرك صياد فقال: أحدهما للآخر: أين نلتقي يا أخي؟فقال: في الفرّائين بعد ثلاث.
و دخل كلب مسجدا فبال في المحراب، و كان هناك قرد، فقال له: أ ما تستحي تبول في المحراب؟فقال: ما أحسن ما صوّرك حتى تتعصب له.
و زعموا أن أسدا و ذئبا و ثعلبا اشتركوا فيما يصيدون فاصطادوا حمارا و ظبيا و أرنبا.
فقال: الأسد للذئب: اقسم بيننا و اعدل. فقال: أما الحمار فلك، و أما الظبي فلي، و أما الأرنب فللثعلب فغضب الأسد و ضربه ضربة أندر [٢] رأسه، فوضعه بين يديه. ثم قال للثعلب: أقسم بيننا و أعدل. فلما رأى الثعلب ما صنع بالذئب خشي أن يصيبه مثله، فقال: أما الحمار فلك تتغذى به، و أما الأرنب فخلالا تتخلل به فيما بينك و بين الليل، و أما الظبي فلك تتعشى به. فقال له الأسد: ويحك يا ثعلب ما ينبغي لك إلا أن تكون قاضيا من علّمك هذا القضاء؟قال: الرأس الذي بين يديك.
نظر سقراط إلى شوك في الماء و عليه حيّة، فقال: ما أشبه الملاح بالسفينة.
و زعموا أن البازي قال للديك: ما أرى في الأرض أقل وفاء منك قال: و كيف؟قال:
أخذك أهلك بيضة فحضنوك ثم خرجت على أيديهم و أطعموك في أكفهم، و نشأت بينهم حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا و هاهنا، و صحت و صوّت [٣] و أخذت أنا من الجبال فعلّموني و ألفوني ثم يخلّى عنّي فآخذ صيدي في الهواء فأجيء به إلى
[١] الكراء: الأجرة.
[٢] أندر رأسه: أزاله عن موضعه.
[٣] صوّت: رفع صوته عاليا.