محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٥٦ - النهي عن مخافة القتل و الحثّ على تصوّر الموت و التمدّح بذلك
الموثر الموت في العز على الحياة في الذلّ
هيم إلى الموت إذا خيّروا # ما بين تبعات و تقتال [١]
و لما وقعت الهزيمة على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أهاب بالناس ليرجعوا فلم يلووا فانتضى سيفه و قاتل قتال مستقتل، فقيل له: لا تهلك نفسك و لك الأمان. فتمثل بأبيات قالها الحسين رضي اللّه عنه يوم قتل و هي:
أذلّ الحياة و ذلّ الممات # و كلاّ أراه طعاما وبيلا [٢]
فإن كان لا بدّ إحداهما # فسيري إلى الموت سيرا جميلا
و قال أبو تمام:
يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية # يمانيّة، و الأري بالذلّ علقما [٣]
و قال المتنبّي:
فأطلب العزّ في لظى و ذر الذ # لّ و لو كان في جنان الخلود [٤]
و قال الموسوي:
فعاف المنايا و امتطى الموت شامخا # بمارن أنف لا يذلّ لخاصم [٥]
و قال منصور بن باذان:
فعش ما تعيش عزيز البقاء # فعزّك خير و إن قيل بل
فطول الحياة على ذلّة # لعمرك عندي حياة السفل
و كلّ مساع له همّة # من النّاس إلا قصير الأجل
النهي عن مخافة القتل و الحثّ على تصوّر الموت و التمدّح بذلك
قيل لعلي رضي اللّه عنه: أ تقاتل أهل الشأم بالغداة و تظهر في العشيّ في ثوب و رداء؟ فقال: أ بالموت أخوّف؟و اللّه ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ. و قد أحسن المتنبّي في قوله:
إذا غامرت في أمر مروم # فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير # كطعم الموت في أمر عظيم
[١] هيم إلى الموت: أي عطاش.
[٢] الطعام الوبيل: الذي يخاف و باله أي سوء عاقبته.
[٣] العلقم: الحنظل و هو نبات شديد المرارة-الأرية: الشهد-يقول إن الحنظل الممزوج بالعزّ كالعسل اليماني إلا أن العسل الممزوج بالذل أشد مرارة من العلقم.
[٤] ذرّ: دع.
[٥] مارن الأنف: طرفه، يقال: رمح مارن أي صلب لدن.