محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٩٠ - ازدياد الوجد بالبكاء
الاستحسان للدمع من دفع الجزع
من أبدع ما فيه قول بشار:
وجدت دموع العين تجري غروبها # أخفّ على المحزون و الصّبر أجمل [١]
قال الرقاشي:
نعم معون الكمد البكاء
و بكى أعرابي فقيل له: في ذلك فقال: أ ما علمتم أن الدموع خفراء القلوب. قال الحسين بن وهب:
ابك فما أكثر نفع البكا # و الحبّ إشفاق و تعليل
فهو إذا أنت تأملته # حزن على الخدّين محلول
قال ابن عباس كنت إذا خرجت أمتنع من البكاء حتى سمعت قول ذي الرمة:
لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة # من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل [٢]
فصرت أشتفي من الوجد به. قال الموسوي:
الدمع عون لمن ضاقت به الحيل
و قال آخر:
و غصّة وجد أظهرتها فرفّهت # حرارة حرّ في الجوانح و الصّدر
قصور الأدمع في دفع الجزع
قال ديك الجنّ [٣] :
في قلبه نار شوق ليس يخمدها # بحر أحاط به للدمع مسجور [٤]
و قال:
فوق خدّي لجّة من دموع # يغرق الوجد بينها و السّلام [٥]
كان بين الواثق و بين بعض جواريه عتاب فبكى و ضحكت فقال: قاتل اللّه العباس بن الأحنف حيث قال:
عدل من اللّه أبكاني و أضحككم # الحمد للّه عدل كلّما صنعا
ازدياد الوجد بالبكاء
قال أبو تمّام يردّ على من زعم أنّ البكاء يخفّف الوجد:
أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها # بالدّمع أن تزداد طول وقود
[١] الغروب: جمع غرب و هو مسيل الدّمع.
[٢] البلابل: الخواطر.
[٣] ديك الجنّ: هو عبد السلام بن رغبان (٧٧٧-٨٤٩) شاعر عبّاسي من أهل حمص. من الشعراء المجيدين، له عدّة مرات في الحسين كانت له جارية محبوبة اتهمها بحبّ غلامه فقتلهما، ثم ندم.
[٤] مسجور: مملوء وقودا.
[٥] لجّة: شبيه بالبحر.