محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٩ - محبة كل من مات بالمحبوب
قال بعض الصوفية [١] :
روحه روحي و روحي روحه # إن يشأ شئت و إن شئت يشأ
تعارف القلوب مودّات الأحباب
قال صلّى اللّه عليه و سلّم الأرواح جنود مجنّدة فما تعارف منها ائتلف. و ما تناكر منها اختلف. قال بكر بن النطاح:
و على القلوب من القلوب دلائل # بالودّ قبل تشاهد الأشباح
قال العبّاس بن الأحنف:
قل للّتي وصفت مودّتها # للمستهام بذكرها الصّب
ما قلت إلا الحقّ أعرفه # إنّ الدليل عليه من قلبي
قلبي و قلبك بدعة خلقا # يتجاريان بصادق الحبّ
ثم نقض هذا بقوله:
فلو كنّ حقّا كما يزعمون # لما كان يجفو حبيب حبيبا
محبة من لا يعرف الهوى
قال العبّاس بن الأحنف:
و جاهلة بالحبّ لم تبل طعمه # و قد تركتني أعلم النّاس بالحب
و قال ابن المعتز:
قد كان غرا بقتلي ليس محسنه # فالآن يبدع في قتلي على البدع [٢]
محبة كل من مات بالمحبوب
أحبّ بني القوام طرّا لحبّها # و من أجلها أحببت أخوالها كلبا [٣]
قال قيس بن ذريح:
وداع دعا إذ نحن بالخيف من مني # فهيّج أشجان الفؤاد و ما يدري [٤]
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما # أهاج بليلى طائرا كان في صدري
[١] الصوفية: مذهب يقهر الجسد ليطهّر الروح.
[٢] الغرّ: الشاب الذي لا خبرة له-يبدع: يبرع و يفتن في أساليبه.
[٣] طرّا: جميعا-أخوالها كلبا: أي من بني كليب.
[٤] الخيف: سفح الجبل و الخيف من منى موضع في منى و هي من مناسك الحج قرب مكة-هيّج: حرّك -الأشجان: الأحزان، جمع شجن.