محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٤١٨ - الحثّ على المبادرة إليها
الحثّ على حفظ النفس من النّار
نظر أبو هريرة إلى رجل وضيء فقال: إني أرى لك قدمين لطيفتين فابتغ لهما موقفا صالحا يوم القيامة. و قال رجل لحكيم أوصني، فقال: إن استطعت أن لا تسيء إلى من تحب فافعل، فقال: و هل يسيء المرء إلى من يحب، قال: نعم. نفسك إن عصيت اللّه.
و قيل: المغبون من رأى الدنيا بحذافيرها لبدنه ثمنا. و قيل: كل قتيل يودي إلا قتيل نفسه.
النّهي عن التهافت في العبادة
قال صلّى اللّه عليه و سلّم: إن الدين متين فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضا قطع و لا ظهرا أبقى. و قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: استبق نفسك و لا تكرهها فإنّك إن أكرهت القلب على شيء عمي. و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: إن اللّه بعثني بالحنيفية السمحة و لم يبعثني بالرهبانية، فمن رغب عن سنتي فليس منّي. و قال المرعشي: من شغله الفرض عن الفضل فهو معذور، و من شغله الفضل عن الفرض فمغرور.
التّوبة
قيل: التوبة النصوح ترك ما تنكره السنة في الظاهر و الباطن. و قال أمير المؤمنين:
التوبة على أربعة دعائم، استغفار باللسان و نية بالقلب و ترك بالجوارح و إضمار أن لا يعود و سئل السوسني عنها، فقال: الرجوع عن كل ما ذمه العلم إلى ما مدحه. و قيل: هي الاعتراف و الندم و الإقلاع. و قال عليه الصلاة و السلام: من تاب قبل موته بفواق ناقة حرم اللّه وجه على النار.
الحثّ على المبادرة إليها
قيل في قوله تعالى: بلى من كسب سيئة و أحاطت به خطيئة، هو من مات على المعصية من غير توبة، و قال مجاهد: التوقف حسن إلا في التوبة. و قيل لرجل: أوص فقال: أحذركم سوف. قال شاعر:
و المرء مرتهن بسوف و ليتني # و هلاكه في سوفه و اللّيت
و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: إياكم و لو، فإن لو من أقوال المنافقين. و قيل: من وجد في قلبه التخويف فلا يطلبن لنفسه التسويف. و قيل في قوله تعالى: لِيَفْجُرَ أَمََامَهُ [١] أي يقول غدا أتوب و قال أبو حازم: نحن لا نريد أن نموت حتى نتوب و لا نتوب حتى نموت. قال شاعر:
أسوّف توبتي خمسين عاما # و ظنّي أن مثلي لا يتوب
و قال:
متى يفلح من قد عا # ش خمسين و ما أفلح
[١] القرآن الكريم: القيامة/٥.