محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١١٩ - تأسف من خلفه رسوله على محبوبه
إرسال الريح إليه
قال البحتري:
ألا يا نسيم الريح بلّغ رسالتي # سليمي و عرّض بي كأنّك مازح [١]
فإن سألت عنّي سليمي فقل لها # به غبّر من دائه و هو صالح [٢]
و قال:
لي إلى الريح حاجة إن قضتها # كنت للريح ما بقيت غلاما
حجبوها عن الرّياح لأني # قلت للريح بلّغيها السّلاما
و قال:
فلو أنّ ريحا أبلغت وحي مرسل # خفيّ لناجيت الجنوب على الجنب
و قلت لها أدّي إليهم تحيّتي # و لا تخلطيها طال سعدك بالترب
فإني إذا هبّت شمالا سألتها # هل ازداد صداح النميرة من قرب
من حسد رسوله لتمتعه بالنظر إلى محبوبه
عشق المأمون جارية لبعض المتكلمين المتّصلين به و كان يراسلها ببعض من أفشى إليه سره فقال يوما و قد بعث إليها:
ألا ليتني كنت الرسول و كأنّني # فكان هو المقصى و كنت أنا المدنى [٣]
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة # و أغفلتني حتّى أسأت بك الظنّا
و سرّحت طرفا في محاسن وجهها # و متّعت باستمتاع نغمتها الأذنا
أرى أثرا منها بعينك لم يكن # لقد سرقت عيناك من عينها حسنا
قال محمد بن أمية:
أن تشق عيني بها فقد سعدت # عين رسولي و فزت بالخبر
خذ مقلتي يا رسول عارية # فانظر بها و احتكم على بصري
تأسف من خلفه رسوله على محبوبه
قال شاعر:
بعثت رسولا فأضحى خليلا # على الرغم منّي فصبرا جميلا
و كنت الخليل و كان الرسول # فصار الخليل و صرت الرسولا
كذا من يوجّه في حاجة # إلى من يحبّ رسولا نبيلا
[١] التعريض: الذمّ غير الصريح أو المباشر.
[٢] غبّر: بقايا.
[٣] المقصى: المبعد من أقصاه-المدنى: المقرّب من أدناه.